فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 828

إذن: تأديةُ المعنى بلفظِ قَدْرِهِ هِيَ المساواةُ، أي: تلك التأدية .. تأدية المعنى المسماة في اصطلاح البيانيين المساواة كَـ"سِرْ بِذِكرِه"وفي نسخةٍ: كَـ"سُدْ، سُد: أمرٌ مِن السيادة"سُدْ بِذِكرِه"أي: كقولنا: سُدْ بذكرِ الله تعالى، فالسيادةُ حينئذٍ تكونُ بماذا؟ بذكرِ اللهِ تعالى، سيادةُ العبدِ لا تكون إلا في ملازمة ذكر سيّدِهِ، هذه واضحة، فإن السيادة في الدنيا وفي الآخر إنما تكون بذكر الله تعالى، يعني: بطاعته .. العملُ بما دلَّت عليه نصوص الوحيين، وإنما يعلو قدرُ الإنسان بقدرِ تمسّكه بالشرع، فإن علا تمسُّكه بالشرع علا، وإن نزل نزل، وهكذا يكون الأمر كذلك."

كَـ"سِرْ بِذِكرِه": مثَّلَ هنا الناظم للمساواة، يعني: المعنى الذي دل عليه اللفظ دون زيادةٍ أو نقصان، فالسير .. سِرْ بِذِكرِه، سِر، يعني: في طريقِكَ إلى الله تعالى بذكره، والضميرُ هنا يعودُ إلى الله تعالى حينئذٍ يكون معلومًا من السياق، شيءٌ معهود في الذهن، وإنما يكون السيرُ في الطريق الذي يُوصِل إلى رضوان الله تعالى بذكرِهِ على جهة العموم، ومن ذكرِ اللهِ تعالى القرآن وطاعته، حينئذٍ هذا المعنى أدّاه بهاتين اللفظتين: سِرْ بِذِكرِه، معنىً وهو السير إلى طريقِ النجاة في الدنيا والآخرة إنما يكونُ بماذا؟ بذكرِ الله تعالى، وسيأتي نقدُ المثال.

إذن: المراد بالمساواة هنا: أن يكون اللفظُ بمقدار أصلِ المراد، لا ناقِصًا عنه بحذفٍ أو غيره، ولا زائِدًا عليه بنحو تكريرٍ، أو تَتميمٍ أو اعتراض .. أن يكون اللفظُ بمقدارِ أصل المراد، لا ناقِصًا عنه ولا زائدًا، ليس ثَم نقصان ولا زيادة.

المثالُ المشهورُ عندَ البيانيين، قوله تعالى: (( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ) [فاطر:43] فالآيةُ مُنطبِقةٌ على مَعناها من غير زيادةٍ ولا نُقصان، ومعناها واضِحٌ، والألفاظُ الدالة على ذلك المعنى مُطابِقةً من غير زيادةٍ ولا نقصٍ.

كذلك قوله تعالى: (( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) ) [الأنعام:68] قالوا: الألفاظُ دالّةٌ على المعنى المراد دُون زيادةٍ أو نقصان.

وقول النابغة الذبياني:

فإنكَ كالليلِ الذي هو مُدرِكي وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسِعُ

إذن: هذه الأمثلةُ المشهورة عندَ البيانيين، ومثَّلَ بها في الإيضاح.

واعتُرِض على المثال الأول، وهي قوله تعالى: (( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ) [فاطر:43] قالوا: هذا لا يصلُحُ أن يكونَ مثالًا للمساواة، لماذا؟ لأن شرطَ المساواة أن لا ينقُصَ اللفظ عن المعنى، وأن لا يزيد، وهنا وقع نقصٌ ووقع زيادة، لأن الإيجاز كما سيأتي نواعان:

إيجاز قصرٍ، وإيجاز حذفٍ.

فإذا حُذِفَ من اللفظ شيءٌ وهو مُرادٌ من جهة المعنى حينئذٍ لا يكون مُساواة، وإنما ينتقلُ للنوع الثاني وهو الإيجاز، وهنا وقعَ الحذفُ: ولا يحيقُ المكرُ السيء بأحدٍ إلا بأهله، يعني: الاستثناء هنا استثناء مُفَرَّغ، والاستثناءُ المفَرَّغ الذي حُذِفَ منه المستثنى منه، حينئذٍ ثَم محذوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت