كذلك قوله: (( الْمَكْرُ السَّيِّئُ ) ) [فاطر:43] قالوا: المكرُ لا يكونُ إلا سَيئًا، حينئذٍ وُصفُه بالسيئ هذا فيه إطناب, وليسَ بمساواة، لأنه إذا أُطلِق، نقول: هذا ماكرٌ، حينئذٍ الأصلُ فيه أنه يكونُ مُساويًا للشيء الذي هو سيء، قالوا: إذن فيه إطناب.
إذن: اعتُرِضَ على المثال الأول بهذين النقدين: بأنّ إيجازًا بحذفِ المستثنى منه لأنّ الاستثناء هنا مُفَرَّغ، فالمستثنى منه محذوف، والأصل: ولا يحيقُ المكرُ السيئ بأحدٍ -أحدٍ: هذا محذوف- إلا بأهله، وفيه إطناب، بقوله: السيئ، إذ المكرُ لا يكون إلا سيئًا، وحينئذٍ وقعَ فيه نَقصٌ وزيادة، ونحن مثَّلنا به لما ساوى اللفظ فيه المعنى، والمثال في محله.
وأُجِيبَ عن الأول: وهو بكونِ فيه إيجازً بحذف المستثنى منه: بأنّ هذا الحذف رِعايةٌ لأمرٍ لفظي، يعني: مُوافقةً للقواعد النحوية، فهو مُراعاة لأمرٍ لفظي، لا يَفتقِرُ إليه تأديةُ أصلِ المراد، نحن العبرةُ الآن عندنا في الحكم على كون التركيب أو الكلام مساويًا أو إيجازًا أو إطنابًا، العبرةُ بالمعنى .. أصل المعنى المؤدّى مع اللفظ، فإن أُدّي أصل المعنى المراد مع تمام اللفظ فحينئذٍ لا عِبرة بما حكمَ عليه النحاة بكونه محذوفًا، إلا إذا كانَ له أثرٌ في أصلِ المعنى المؤدى، فإن لم يكن له أثرٌ بأن يكون ثَم لو ذُكِرَ فكان ذِكْرُه إطنابًا فحينئذٍ نقولُ: حذفُهُ لا يُعتبَر من إيجاز الحذف، بل يكون تقديره من باب ماذا؟ مراعاةً لأمرٍ لفظي، بمعنى: أن القواعد النحوية المحكمة اقتضت أن ثَم لا بدّ من مُستثنى ومُستثنى منه، وإلا قد يقال بأن المسثتنى .. قد لا يكون ثَم مستثنى منه ويمثّل له بما ذكرنا.
لكن أرادوا طردًا للقاعدة، قال: لا بد أن يكون ثَم مستثنىً منه، وحينئذٍ إذا كان الاستثناء مُفَرَّغًا يكون هذا المستثنى منه محذوفًا، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقولُ: هذا المحذوف ليسَ هو من قبيل .. من إيجاز الحذف، لماذا؟ لأنه لو ذُكِرَ لما تغيَّرَ أصل المعنى .. لو ذُكِرَ ونُطِقَ به ولُفِظَ ولم يُحذَف، نقول: لم يتغير .. لم يزدد، وإنما رُوعِيَ فيه القواعد العامة.
إذن: أُجِيبَ عن الأول بأنّ هذا الحذف رِعايةٌ لأمرٍ لفظي، لا يَفتقِرُ إليه تأديةُ أصل المراد، حتى لو صُرِّحَ به لكان إطنابًا، بل تطويلًا: ولا يحيقُ المكرُ السيئ بأحدٍ إلا بأهله، ماذا زادَ عن المعنى؟ ما زاد شيء .. لم يَزِد عن المعنى أي شيءٍ: (( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ) [فاطر:43] مُتقابلان، فأصلُ المعنى كما أُدّي مع حذفِ: بأحدٍ، كذلك أُدّي أصل المعنى مع وجوده، فحينئذٍ نقول: حذف لفظ: أحد، هذا لا يُؤثِّرُ في تأدية أصل المعنى المراد، وإذا كان كذلك، حينئذٍ صارت مراعاته من أجلِ القواعد العامة عند النحاة.