وفرقة أَبتْ واستكبروا وأصروا، قالوا: لا، نقول: التنافر موجبُهُ تقارب الحروف، طيب! ماذا تقولون في هذه الكلمة: (( أَلَمْ أَعْهَدْ ) ) [يس:60] ؟ قالوا: نسلُّم بأنها غير فصيحة، وهذا كلام خطير، إذا قلنا بأنها غير فصيحة يستلزم أن يكون الكلامُ ليس فصيحًا، والقرآن بإجماع أنه فصيح، بل أعلى درجات الفصاحة والبلاغة، قالوا: الجواب عن هذا يسير، وهو أن الكلام الطويل المشتمل على بعض الكلمات غير الفصيحة لا يخرجُهُ عن كونه فصيحًا، نسلُّمُ بأنه كلام فصيح لكن وجود بعض الأجزاء بعض الكلمات انتفت عنها الفصاحة لا يلزمُ منه انتفاء الفصاحة عن الكل، انتفاء الفصاحة عن الجزء كالكلمة لا يستلزم انتفاء فصاحة الكل، هكذا قالوا.
لنا مثال وهو أن القرآن نزلَ بلسان عربي مبين، وكله عربي، لكن الحكم على القرآن بأنه عربي، هل يمنع أن يكون فيه بعض الكلمات الأعجمية؟ قالوا: وجود بعض الكلمات غير العربية لم يُخرجْه عن كونه عربيًا، كذلك وجود بعض الكلمات غير الفصيحة لا يخرجُهُ عن كونه فصيحًا، وهذا الكلام فاسد ليس بصحيح، لماذا؟
أولًا: لأن فصاحة الكلمات شرطٌ في فصاحة الكلام، وهذا يكاد يكون اتفاق:
وفي الكلام فقدُهُ في الظاهر لضعف تأليف وللتنافرِ
في الكلمات وكذا التعقيد مع ... فصاحة في الكلمات تتبع
إذن: لا يكون الكلام فصيحًا إلا باشتراط أن تكون كلُّ كلمة مأخوذة في ترتيب الكلام فصيحة، فإذا انتفت كلمة واحدة عن الفصاحة خرج الكلام عن كونه فصيحًا، إذن: يُردُّ عليهم بأن وجود بعض الكلمات التي حكمت عليها أنها ليست فصيحة يُخرِجُ الكلام عن كونه فصيحًا وهذا باطل، فيلزم منه بطلان المقدمة، أو اللازم.
الثاني أن يقال: أنه فَرقٌ بين ما قِيسَ عليه والأصل، إن كان في فصاحة الكلام اشتُرطت فصاحة الكلمات لم يشترط أحدٌ في كون الكلام عربيًا أن تكون كلُّ كلمة منها عربية، هذا إذا سلّمنا بوجود غير العربي في القرآن، أما على قول من يَرى أن كل القرآن عربي جملةً وتفصيلًا، وأن الكلمات التي قيل لها أعجمية أنها مُعرَّبة، أو أنها من توافقِ اللغتين فلا إشكال.
وعلى مَن يرى وجود المعرَّب الذي هو أصله أعجمي في غير الأعلام، الأعلام متفق عليه، أما غير الأعلام كإستبرق قرطاس إلى آخره فهذا نقول: لم يُشترط كما اشتُرط هناك، لم يُشترط في الحكم على اللسان بأنه عربي أن تكون كل كلمةٍ منها عربية، إذن: فَرقٌ بين النوعين، القياس فاسد؛ لأنه قِيسَ ما اشتُرط في الحكم عليه بأنه فصيح الحكم على أجزاءه بالفصاحة، وهنا لم يُشترط في الحكم على اللسان، يعني الكلام بأنه عربي أن تكون كل الأجزاء عربية، وإذا ثبتَ الفرقُ انتفى القياس.
إذن نقول: التنافر المراد به هنا ما هو؟ هل نحدُّه بأنه: اجتماع حروف متقاربة المخارج نقول: لا، وإنما المراد به أمرٌ ذوقي، فكل ما عدّهُ الذوق الصحيح ثقيلًا متعذِّر النطق فهو متنافر، سواء كان من قُربِ المخارج أو بُعدها أو غير ذلك، ولذلك يقال: شَجَر، الشين والجيم هذه من الحروف الشجرية متقاربة المخارج، مع أنها حسنة، كذلك يقال: ثَمُل هذه حسنة تقاربت المخارج، إذن: وُجِدَ ما علّلوا به وهو من تقارب المخارج ولم يوجد التنافر فدلّ على أن هذا الضابط ليس بسليم.