إذن: قالوا: التنافر قسمان: أعلى ومثاله (هُعخُع) لماذا حَكمتم على هذه الكلمة بأنها متنافرة الحروف، قالوا: لوجود الحروف متقاربة المخارج، ونحن نقول: لأن الذوقَ يأباها، الذوق ينفر من هذه الكلمات، ولا نقول: لكون الحروف هنا متقاربة المخارج.
الذي هو أدنى من هذا مثلوا له: بـ (مُسْتَشْزِرات) غدائره مستشزرات إلى العلا ..
يعني: بكسر الزاي وبفتحها، مستشزِرات، يعني: مرتفعات، غدائرُهُ: جمع غديرة، والمراد به الشعر، يعني: زوائد الشعر المنسدل من الرأس إلى الظهر، إذا ما هو دون ذلك؟ نقول: (مُسْتَشْزِرات) غدائره مستشزرات إلى العلا، الثقيل هنا قالوا في توسط الشين بين التاء والزاي، مستشز .. توسط الشين بين التاء والزاي، الشين قالوا: هذه مهموسة رخوة، والتاء مهموسة شديدة، والزاي هذه مجهورة، وهذه بين المهموس والمجهور تناسب، ووجود المهموس الشديد يضمّ ثقلًا إلى ثقل؛ المجهور والمهموس الخفيف.
إذن: وجود الشين هنا بين التاء والزاي هو الذي أدّى إلى ثقل في الكلمة، والأصل فيه أنه أمرٌ ذوقي، النفس الطبيعية والتي عندها نوع ملكةٍ في كلام العرب تَأنفُ من هذه الكلمة.
إذن: قوله فصاحة المفرد أن يخلُص من تنافرٍ، المراد بالتنافر هنا أمر ذوقي، النفس الطبيعية تنفرُ من هذه الكلمة سواء كان لتقارب المخارج أو لبعدها أو لغير ذلك، وحدُّ الكثيرين من البيانيين بأن الكلمة المتنافرة الحروف هي المتقاربة الحروف، ومثلوا له بـ (هعخع) وأن الهاء والعين لا يكادان يجتمعان، نقول: هذا مُعترَض.
بعضهم قال: الذوقُ الصحيح هو قوّة للنفس بها كمال الإدراك، وهذا نوعان: سَلِيقِيّ وهو للعرب العرباء، وكَسبيٌّ وهو للمولدين، يعني: قوة النفس لإدراك أن هذه الكلمة متنافرة الحروف أو لا؟ هل هو متوقِّفٌ على العرب العرباء، أم أنه يمكن للمولدين أن يحكموا على كون الكلمة متنافرة الحروف؟ نقول: نعم، يمكن أن يكون كسبيًا وهو بكثرة مطالعة كلام العرب.
فصاحة المفرد أن يخلُص من تنافرٍ غرابةٍ، يعني: الشرط الثاني أو الأمر الثالث الذي يُشترَط في المفرد أن يخلص منه هو الغرابة، ما المراد بالغرابة؟ قالوا: أن تكون الكلمة وَحشيّة، غيرُ ظاهرة المعنى ولا مألوفة الاستعمال، ما المراد بالوحشيّة؟ غير ظاهرة المعنى، يعني: يحتاج في فهم معناها، والمراد بالمعنى هنا المعنى الذي وضع له أصل اللفظ، لماذا؟ لأن المشكل والمجمل والمتشابه هذا غريب، أو ليس بغريب؟ غريب، لكن المراد باللفظ المتشابه أو اللفظ المجمل، أو اللفظ المشكل، المراد به من جهةِ دلالتِهِ على المعنى الذي وُضعَ له في كلام العرب هذا معلوم، وإنما حصلَ عدمُ الظهور في الدلالة، ما المراد منه؟ (( ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) ) [البقرة:228] قروء جمع قَرء، هذا مُجمل فيه إجمال، لكن القرء هنا عندما حكمنا عليه الإجمال، هل المعنى الذي وُضعَ له في لغة العرب معلوم أم لا؟ معلوم لكن من أين حصَلَ له الإجمال نقول: الدلالة على المعنى المراد من هذا اللفظ هي التي لم تُعلم، فالإجمال حصلَ لا من جهة أصل المعنى الذي وُضِعَ له، وإنما حصلَ من جهة ما المراد بهذا اللفظ؟