فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 828

إذن: الغرابة المراد بها أن تكون الكلمةُ وحشيةً غير ظاهرة المعنى، نُقيِّد المعنى بالمعنى الوضعي، فلا يَرِدُ المتشابه والمشكِل والمجمَل؛ لأنها غير ظاهرة الدلالة على المراد مع ظهور المعنى ... ولا مأنوسة الاستعمال، يعني: لم يأنس العرب أن يستعملوا هذه الكلمة، يعني: استعمال العرب العرباء، والمراد به أنها غير مأنوسة الاستعمال، يعني: غير مألوفة الاستعمال في لسانهم، لا باعتبار غيرِهم، وإلا لو كان باعتبار غيرهم لعددنا غريبَ القرآن والحديث من غير الفصيح، وإنما العبرةُ هنا الحكم بالغرابة في لسان العرب لا باعتبار مَن بعدهم، لا باعتبار لساننا نحن مثلًا.

ما مثال الأول التي هي غير ظاهرة المعنى؟ قالوا: سَقط رجل من على حمار، دائمًا هذه الأمثلة نادرة وقليلة جدًا، عيسى ابن عمرو النحوي سقط من على حمار، فاجتمع عليه الناس، فقال لهم:"ما لكم تَكَأكَأتُم عليّ تَكأكُؤَكم على ذي جنةٍ افرنقعوا"، تكأكأتم هذه غير ظاهرة المعنى، فنحتاج أن نبحث في كتب اللغة، تبحث القواميس المعاجم إلى آخره، حتى تصل إلى المراد من هذه الكلمة،"تكأكأتم علي تكأكؤكم"يعني: اجتمعتم علي اجتماع، افرنقعوا، يعني: تَنحّوا عني، هذا لها أصل عند الناس قليلًا، إذن: اجتمعتم فتنحّوا عني، قالوا: هذه الكلمات غريبة ليست بفصيحة، وإن نطق بها عيسى بن عمر وهو نحوي كبير، لماذا؟ لأنها تحتاجُ في الوصول إلى المعنى إلى أن يُنَقّر عنها ويبحث في الكتب المبسوطة في لغة العرب.

الثاني الذي هو غير مألوفة الاستعمال: أن يُخرَّج لها على معنىً بعيد، يعني: يحتمل معنيين ولا ندري أيهما المراد:

وفاحمًا ومرسنًا مسرَّجًا.

وفاحمًا: المراد به الشعر الأسود الذي كالفحم، ومَرسِنًا مرسَنًا بفتح السين وكسرها مع فتح الميم الذي هو الأنف مسرّج، أراد أن يشبه الأنف بشيء آخر، أطلق عليه هو: مُسرَّجًا، مسرجًا هذا صار يحتمل، هل هو المراد بمسرجًا هنا، هل المراد به نسبة هذا اللفظ إلى السيف السريجي، نسبةً إلى حداد يقال له: سُريج، وهذه لها نوع يعني: ميّزة خاصة، السيوف هذه لها ميزة خاصة، يعني في الدقة والحدة، أو يكون المراد أنه شبّهَ الأنف بالسراج، في ماذا؟ في الحسن والإضاءة، يحتمِلُ هذا ويحتمِلُ هذا.

لماذا تردَّدَ الناظم في هذا البيت فحملَه على أحد المعنين؟ قال: لأن سرّج .. مُسرَّج، مسرجًا هذا أصله من فعّل وفعَّل كما سبق، أنه قد يأتي للنسبة، نسبة الشيء إلى أصله، تمّمتُه يعني نسبته إلى تميم، كفّرتُه نسبته إلى تكفير إلى آخره، بدعتُه فسّقتُه إلى آخره، يعني: نسبت المراد هنا الفاعل أو المفعول إلى البدعة أو الكفر إلى آخره.

هنا قال: سَرّجَ، أراد أن ينسبه إلى؛ إما السيف السريجي وإما إلى السراج، لكن هل مراده النسبة لذاتها، أم مراعاة التشبيه؟ مراعاة التشبيه، وهل هذا اللفظ الذي هو فعَّل يدلُّ على نسبة وتشبيه، أم لا؟ نقول: لا، الأصل أنه لا يدل على التشبيه، وإنما يدلُّ على مجرد نسبة الشيء إلى شيء آخر، فمن هنا حصلَ التباس في فهم هذا اللفظ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت