فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 828

والمثال الذي يصلُحُ لهذين النوعين الشوق والتمكن قوله تعالى حكايةً عن موسى عليه السلام: (( رَبِّ اشْرَحْ لِي ) ) [طه:25] هذا فيه إبهام، (( صَدْرِي ) ) [طه:25] جاء البيان، (( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) ) [طه:25] فإن قوله: (( اشْرَحْ لِي ) ) [طه:25] يُفيدُ طلبَ شرحٍ لشيءٍ ما له انتسابٌ ما إلى المتكلِّم، اشرح لي لأنه أضافه إلى نفسه، ما هو الذي يُشرَح؟ ليسَ خاصًا بالصدر، وهو مُبهم، وقوله: (( صَدْرِي ) ) [طه:25] يفيدُ تفسيره وبيانه وإيضاحه، وهذا الإيضاح بعد الإيهام يحتمِلُ أن يكون لغرض التشوّق، ويحتمِلُ أنه للتمكُّن في النفس، يعني: الإغراض المتقدمة، وذلك بالنسبة للسامع لا إلى الله جل في علاه، وإنما بالنسبة إلى السامع.

إذن: (( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) ) [طه:25] نقول: اشرح لي، وحده هذا فيه نوع إبهام، ثم لما جاء الإيضاح في قوله: صدري، تمكن في النفس هو الذي يُراد انشراحه، أو تتشوَّقُ النفس إلى معرفة ما هو الذي دعا موسى عليه السلام لشرحه، فجاء: صدري.

إذن:

يجِيءُ بالإيضاحِ بَعْدَ اللَّبسِ ... لِشَوْقٍ اوْ تَمَكُّنٍ في النَّفسِ

وجاءَ بالإيغالِ، يعني: قد يأتي الإيضاح من أجل الإيغال، هذه أنواع للإطناب، قد يأتي الإطناب لبسٌ ثم إيضاحٌ لعلّةِ التشويق أو التمكّن في النفس، النوعُ الثاني، قوله: لِشوْقٍ اوْ تَمَكُّنٍ في النّفسِ، هذا مُتعلِّقٌ بقوله: بالإيضاحِ.

وجاءَ، يعني: ثبتَ بالإيغالِ، هذا النوع الثاني، وجاءَ بالإيغالِ، قلنا: المجيءُ المراد به هنا الثبوتُ وليس المراد به المجيء الحسي أو المجاز، يُعتبَر مجازًا، لأن الألفاظ هذه ليست حسية.

وجاءَ بالإيغالِ: بكسِر الهمزة قبلَ الياء، وهو في اللغة الإمعان والبُعد، مِن أوغلَ في البلاد إذا أمعنَ فيها، يعني: دخلَ فيها كثيرًا، واختُلِف في معناه بناءً على هل يدخُلُ النثرَ أم لا؟ بعضهم خصَّه بالشعر وبعضهم عمَّم، فقيل: هو ختمُ البيت بما يفيدُ لنكتةٍ يتمُّ المعنى بدونها، ختمُ البيت: احترازًا عن النثر، إذن: لا يدخُلُ النثر .. بناءً على هذا لا يدخل النثر، وإنما يكون الإيغال خاصًّا بالشعر، بما يفيدُ .. هو لا بد أن يكون مُفيدًا وإلا خرجَ عن فن البلاغة، لأن الزيادة لا تكون إلا لفائدة، فإن لم تكن لفائدة فهو تطويلٌ وحشوٌ، وإذا كان تطويلًا وحشوًا حينئذٍ سُلِب وصفُ البلاغة.

إذن: لا بد أن يكون مُفيدًا، لنكتةٍ .. فائدة، سنذكر منها بعضها، يتمُّ المعنى بدونها، بمعنى: أنه لو حُذِفت هذه الفائدة لتمَّ المعنى، وإنما قد يُراد بها إما التأكيد أو التكرار أو نحو ذلك، فهو ختمُ البيت بما يُفيدُ معنىً لطيفًا كما عبَّر عنه في الإيضاح بنُكتةٍ، يتم المعنى أي: أصلُ المعنى المراد من ذلك الكلام بدونها، مثل ماذا؟ قالوا: كزيادة المبالغة في قولِ الخنساء، إذن: قد يُزادُ النكتة هذه الفائدة اللطيفة، قد تكونُ للمبالغة، ماذا قالت الخنساء؟

وإن صخرًا لتأتمُّ الهداة به ... كأنه علمٌ ..

جبل مرتفع، إذن: حصلت الهداية به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت