فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 828

في رأسِه نار: خُتِم البيت بهذا التركيب، لو قالت: كأنه علمٌ، حصلَ الاقتداء والتأسي؟ حصلَ، لأن العلم المراد به الجبل المرتفع، الكلُّ يراه، تتأسّى به، أليس كذلك، حينئذٍ في رأسه نارُ، هذه الزيادة، أرادت بها المبالغة بالتأكيد بكونه مُقتدىً به، فقولها: في رأسه نارُ، إيغالٌ خُتِم به البيت لنكتة .. لفائدة، وهي المبالغة في التوكيد.

إيغالٌ لأنه يُفيدُ نكتة، وهي المبالغة في الاشتهار، وإلا فأصلُ المعنى المقصود وهو كونُه مُهتدىً به، يتمُّ بتشبيهها إياه بالعلم الذي هو الجبل المرتفع، لأنه المعروف بالهداية، يعني: يُرى، إلا أنها لم تَرضَ بتشبيهها إياه به مطلقًا، حتى وصفته بقولها: في رأسه نارُ، لماذا؟ لأنه إذا كان في رأسه نارُ كان أبلغَ لحصول الاهتداء، لأنَّ الجبل الذي هو عَلَم ويحصلُ به الاهتداء إذا كان في النهار، وأما في الليل ذهبَ لا يُرى الجبل معنىً لطيف، فكمالًا للاهتداء والاقتداء قالت: في رأسه نار، ليعمَّ الاهتداء والاقتداء به في الليل والنهار، معنىً بليغ.

لأنه إذا كان في رأسه نار كان أبلغَ لحصول الاهتداء به ليلًا ونهارًا، هذا القول الأول.

وقيل: لا يختصُّ بالنظم، وهذا محلُّ الخلاف الذي ذكرناه سابقًا، هل الإيغالُ المذكور خاصٌّ بالشعر أم لا؟ ظاهرُ كلامِ صاحب الإيضاح، واختارَهُ السيوطي في عقود الجمان: الثاني، أنه لا يختصُّ بالشعر بل هو عام، يعني: يكون في النثر، ويكون في الشعر، يعني: يكونُ في الكلام المنثور وفي الكلام المنظوم، ومثَّلُوا له بالقرآن وهو أعدلُ شاهدٍ على ذلك، إذا جاءَ الشيءُ في القرآن صحَّ أن يُجعَل قاعدة، لماذا؟ لأن القرآنَ نزلَ بلسانٍ عربيٍّ مبين، ليس بلسان عربي فحسب، بل أعلى درجات الفصاحة والبيان، ولذلك تحدّاهم وعجزوا.

حينئذٍ كلُّ ما جاء في القرآن يجعل قاعدة، فإذا جاء الإيغالُ في القرآن حينئذٍ لا يصحُّ أن يُقيَّد بالشعر، وقد قال تعالى: (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ) [يس: 20 - 21] (( وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ) [يس: 21] مُبتدأ وخبر، هذا خُتِمَ به النص القرآني، حينئذٍ لو حُذِفت تقديرًا هل المعنى داخلٌ فيما سبق؟ (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) [يس: 20] لا يكونُ رسولًا إلا إذا كان مهتديًا، ولا يمكنُ أن يأمرَ الربُّ جل وعلا: (( اتَّبِعُوا ) ) [يس: 20] إلا بمن كان مهتديًا، إذن: حصل الإيغال، خُتِم به الكلام المنثور ويمكن الاستغناءُ عنه لكن بفائدة، وهي زيادة الحثّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت