فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 828

ثالثها: التفصيل، إن توقَّفَ عليه فهم الكلام فهو داخلٌ وإلا فلا، حينئذٍ إذا كان لا يتمُّ معنى الكلام إلا بذكرِ الجار والمجرور، ومعلوم أن الجار والمجرور ليسَ مسندًا ولا مسندًا إليه، حينئذٍ أخرجناه، الفضلاتُ كلُّها ليست داخلة في مفهوم الكلام عندَ أكثرِ النحاة، لكن يَنبغي أن يُقيَّد، فيقال: المراد بالكلام هو الفائدة التامة، وقد تتوقَّف الفائدة هذه التامة على وجود الظرف أو الجار والمجرور أو النعت أو إلى آخره، فإذا توقَّف عليه فالأصل أن يكون داخلًا في مفهوم الكلام وإلا فلا.

وهذا التفصيل كأن الصبان رحمه الله تعالى مالَ إليه في حاشيته على الأشموني.

قال: أن يُؤتى به في كلامٍ يُوهِم خلاف المقصود بما يدفعُه، أي: بما يدفعُ ذلك الإيهام، ثُم هو ضربان، يعني: نوعان:

ضربٌ يتوسّطُ الكلام فيُؤتى به لذلك الدافع للوهم بين المسند والمسند إليه، يعني: يقع بين المسند والمسند إليه، كقول الشاعر:

فسَقَى دِيَاركِ غَيَرَ مُفسِدها صَوبُ الربِيع وديمةٌ تهمي

سقى ديارك صوبُ الربيع، ديارك .. يخاطبُ امرأة، ديارَك: هذا مفعول به، صوب الربيع، يعني: المطر، الصوب والصائب: المطر، سقى ديارَك صوبُ الربيع، دعا بالمطر، والمطر قد يكون كثيرًا غزيرًا فيُفسِد، قال: غير مُفسِدها، هذا استثناء، بمعنى: أن المراد هنا الدعاء بمطرٍ مُفيدٍ نافع، وأما المطر الذي لا يكون نافعًا فهذا نفاهُ بقوله: غيرَ مُفسِدها.

فقوله: فسقى دياركِ صوب الربيع، كلامٌ مسوقٌ للدعاء لها، لكن لما كان يُتوهَّم من المطر إذا كثُر أنه قد يؤدّي حاله إلى خراب الديار وإفسادها فصير دعاءً عليها، دفعَ ذلك الوهم بقوله: غير مفسدها، هنا وقعَ بين ماذا؟ سقى ديارك غيرَ مُفسِدها صوب الربيع، بين الفعل والفاعل، سقى: هذا مُسند، صوبُ: هذا مسند إليه، غيرَ مفسدها: وقع بين النوعين، ووسَّطَه بين الفعل والفاعل.

وضربٌ يقع في آخر الكلام، كقوله تعالى: (( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [المائدة:54] فإنه لو اقتصرَ على قوله: (( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ) [المائدة:54] قد يُفهَم أنه لضعفهم وقلّتهم، لأن القلة قد تكون مُلازمة للضعف، فإنه لو اقتصرَ على قوله: (( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ) [المائدة:54] لجازَ أن يتوهَّمَ متوهم أن ذُلَّهم لضعفهم وقلتهم فأتى بقوله: (( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [المائدة:54] دفعَ ذلك الوهم، (( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ) [المائدة:54] قد يتوهَّم مُتوهِّم بأنه لضعفهم وقلتهم، قال: (( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [المائدة:54] إذن: دفع بهذه الجملة الوهم الذي يمكن أن يكون من الجملة السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت