فأتى بقوله: (( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [المائدة:54] على سبيل التكميل دفعًا لهذا الوهم، وإشعارًا بأن سببَ ذلك تَواضعٌ منهم للمؤمنين، إنما به بسبب لأمرٍ آخر وهو التواضع، ولذا عُدّيَ الذلّ بـ (على) دون اللام، بمعنى: أنه جيءَ بالجملة الثانية تكميلًا لمن قَصُرَ نظره، وإلا مِن نفسِ الجملة يمكن أن يُؤخَذ أن السبب هنا ليس ضعف المؤمنين ولا قلتهم، لأنه عداه بـ (على) أذلة للمؤمنين، الأصل أن يتعدّى باللام، عدّاه بـ (على) لنكتةٍ .. لفائدة، حينئذٍ يمكن أن يُقتصَر على هذا، ولذا عُدّيَ الذل بـ (على) دون اللام لتضمنه معنى العطف، كأنه قيل: عاطفين على وجه التذلّلِ والتواضع.
إذن: اوْ تكميلِ يُدعى بالاحتراسِ، يعني: يُسمّى بذلك، اوْ تكميلٍ يُدعى، أي: يُسَمّى التكميل بالاحتراس، يعني: يُسمّى بذلك زيادةً على تسميته بالتكميل:"أما تسميته بالتكميل - كذا قال في الحاشية - فلتكمليه المعنى بدفعِ إيهام خلافِ المقصود منه، وأما تسميته بالاحتراس فهو من باب حرَسَ الشيءَ إذا حفِظَه، وهذا فيه حفظ المعنى ووقايته من توهُّم خلاف المقصود، لأن ما أتى به فيه يُحترَزُ به عن خلاف المقصود."
والتّتميمِ: هذا عطفٌ على الإيضاح، على الأول الحسن، ولو عطفتَه على الإيغال كذلك لا بأس، يجوزُ أن يُعطَف على الأول، ويجوزُ أن يُعطَف على الإيغال، لو فصلت جملة: وجاء بالإيغالِ، أن جاءَ هنا من باب التكميل والتذييل حينئذٍ يكون معطوفا على الإيضاح، ويكون قوله: وجاء بالإيغالِ يجيء بالإيضاح، جاء بالإيغال من باب التوكيد فقط، وعلى كلٍّ يحتمل.
ومن الإطناب التتميم وهو أن يُؤتى في كلامٍ لا يُوهِم خلاف المقصود بفَضلةٍ تفيدُ نكتة، عكس السابق: أن يؤتى بكلامٍ لا يُوهم خلاف المقصود، بفضلةٍ! زيادة، تُفيدُ لنكتةٍ، ولا بدّ من هذا القيد ولو لم يذكره، لأن كلامنا في الطريق المقبول مما زِيدَ به على اللفظ، كلامٌ زائدٌ لا بدّ أن يكون لنكتة ولفائدة، فلو لم يكن لصارَ تطويلًا أو حشوًا حينئذٍ صارَ خارجًا عن الفصاحة.
كالمبالغة في قوله تعالى: (( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ) ) [الإنسان:8] على حبِّه: الضميرُ هنا يحتمِلُ أنه عائد إلى الله عز وجل، يعني: مع حبّه، يعني: مخلصين لله عز وجل، وهذا ليسَ فيه تكميل .. ليسَ فيه تتميم، لماذا؟ لأنه صارَ من أصلِ المراد، لأنه اشترطَ الإخلاص، وأما إذا كان الضمير يعودُ على الطعام، على حبِّه، يعني: مع حبِّ الطعام، هذا صار فيه تتميم، أي: مع حبّه، والضميرُ للطعام، أي: مع اشتهائه والحاجة إليه، فإن الإطعامَ حينئذٍ أبلغُ وأكثرُ أجرًا، وأما إذا جُعِلَ الضمير في: حبّه، راجعًا إلى الله تعالى، أي: مُخلصين له فلا يكون مما نحن فيه، لأنه لتأديةِ أصل المراد، ونحوه: (( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) ) [البقرة:177] .
والفرقُ بينَ التتميم والإيغال مع اشتراكهما في كون كلٍّ منهما يُؤتى به لمعنىً فاضلٍ عن أصل المراد اختصاص الإيغالِ بختم الكلام دونَه، التتميم قد يكون في أثناء الكلام، والنكتة المذكورة غير مختصَّة بالشيء.