عِلْمُ ما: اسم موصول بمعنى: الذي مبهم، حينئذٍ نفسره بالقواعد والأصول، علم قواعد أصول، والعلم حينئذٍ يحتمل أن المراد به الملكة أو الإدراك، إدراك قواعد .. ملكة قواعد، وهذا أحسن ما يحمل عليه، إذًا: عِلْمُ ما، ما: هذا متعلق العلم، علم ماذا؟ أي شيءٍ تعلق به هذا الإدراك أو الملكة نقول: ما، واقعة على القواعد والأصول، وعلمٌ الذي هو خبر يصح أن يُفَسر بالملكة، أي: ملكةٌ يقتدر بها على إدراكات جزئية، أو يُراد به الإدراك والقواعد .. زاد بعضهم: والقواعد، لكن هذا فيه إشكال، علم .. كلمة: علم، علم ما، ما: عرفنا أن المراد بها الأصول والقواعد، وكلمة: علم، لأن العلم من حيث الاستعمال يطلق ويراد به ثلاثة أشياء: إما الملكة وإما الإدراك، وإما المسائل، التي هي القواعد والأصول.
شاع عرفًا إطلاقه على كلٍ، يعني: يطلق العلم ويراد به الملكة في موضعٍ، ويطلق العلم ويراد به القواعد في موضعٍ، ويطلق ويراد به المسائل، إطلاقه في كلٍ مستعملٌ، وقد يُراد به المعنيان أو أكثر، يصح أن يستعمل في بعض المواضع ويراد به الملكة والقواعد والإدراك، القواعد التي هي المسائل، والإدراك، لكن في هذا الموضع استعماله في القواعد فيه نوع تكلف، يعني: قواعدُ وقواعد، هذا فيه إشكال، وأما الملكة والإدراك فهذا واضح.
فالمعنى على الأول ملكة .. ملكة قواعد، يعرف بها إلى آخره، أي: ملكةٌ ناشئةٌ من قواعد، يعرف الشخص بممارستها تأدية المعنى إلى آخره، وعلى الثاني الذي هو الإدراك: إدراك قواعد، هذا واضح، يُعرف بها، أي: بممارستها تأدية المعنى إلى آخره، وعلى الثالث -إن جوزناه وقد قيل به ذكره في الحاشية-: قواعدُ وقواعد، فالإضافة حينئذٍ تكون للبيان، أي: علمٌ هو قواعد.
عِلْمُ ما: فسرنا (ما) بالقواعد، وإذا فسرنا العلم بالقواعد، حينئذٍ كيف قواعد قواعد؟ هذا فيه تكلف، ننجو من هذا التكلف بأن نقول: بأن الإضافة هنا بيانية، قواعد هي قواعد، لكن فيه شيءٌ من التكلف، والأولى أن نحمل العلم على الملكة أو الإدراك ولا نفسره بالقواعد.
عِلْمُ ما بهِ: به: متعلقٌ بـ عُرِفْ، به: المراد بالمعرفة هنا الرعاية، وليس المراد المعرفة من حيث هي معلومات وقواعد، هذه لا تفيد، إذا عرف الطالب أن الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والتمييز وإلى آخره، وعرف القواعد كلها، لكنها معرفة، ولم يعمل بما يعلم، هل أفاده شيء؟ ما أفاده شيء، كذلك هنا المراد بالمعرفة الرعاية بمعنى: أنه يعلم ويطبق حينئذٍ تكون الملكة موجودةً عنده.
عُرِفْ: هذا ماضٍ مغير الصيغة، ونائب الفاعل قوله: تأدية المعنى.
تأدية المعنى، أي: الواحد كما قيده في الأصل، والمعنى الواحد، أي: من المعاني التي يدل عليه الكلام المراعى فيه مطابقته لمقتضى الحال، فلا بد قبل مراعاة البيان من مراعاة علم المعاني لما سبق بيانه .. كما سبق بيانه، إذ لو لم يراع، ولم يعرض عليه المعنى الواحد الوارد على قصد المتكلم لم يعرف إيراده، لأن مجرد العلم بالقواعد دون تطبيقها هذا لا يسلم من الوقوع في الخطأ والزلل.