فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 828

والغرض في معرفة هذا الإيراد أن يحترز المتكلم عن الخطأ في كيفية إيراد الكلام حتى لا يورد من الكلام ما يدل على مقصوده دلالةً خفية، عند اقتضاء المقام دلالةً واضحة، بمعنى: أن المقام قد يقتضي أن يتكلم بكلامٍ وأن يأتي بطريقٍ وأسلوبٍ فيه دلالة واضحة، فإذا جاء بأسلوبٍ فيه دلالة خفية لم يراع مقتضى المقام، والعكس بالعكس: قد يحتاج إلى أن يأتي في مقامٍ ما بأسلوبٍ أو طريقٍ فيه نوع خفاء، ليس خفاء من حيث هو، ولكن باعتبار غيره، يعني: واضح وأوضح متقابلان، فيأتي بما هو واضحٍ، حينئذٍ نقول: وقع في خطأٍ، أو واضحة عند اقتضاءه دلالةً خفية، والمراد بإيراد المعنى إعراضه على ذهن السامع.

وتقييد المعنى بالواحد للدالة على أنه لو أُورِدَ معاني متعددة في كلامٍ ما بطرقٍ مختلفة لم يكن ذلك من البيان في شيء، وإنما يكون المعنى واحدًا، فإذا أراد أن يعبر عن شجاعة زيد، حينئذٍ يأتي بعبارات مختلفة، زيدٌ كالأسد في الشجاعة .. زيدٌ كالأسد، يحذف وجه المشبَّه: زيدٌ أسدٌ، هنا المعنى واحد واختلفت الأساليب.

ولذلك اشتُرط اختلاف التراكيب مع كون المعنى واحدًا، وأما إذا تعددت المعاني اختلفت .. هذا اللفظ له معنىً خاص، وهذا اللفظ له معنىً خاص، هذا خرج عن البيان، وإنما البيان في معنىً واحدٍ كشجاعة زيد ويعبر عنه بما شاء، أو كرم زيد ويعبر عنه بما شاء، فلا بد أن يكون المعنى متحدًا واحدًا، وتختلف الأساليب والتراكيب بما ذُكِرَ من شروطٍ.

عِلْمُ ما بهِ عُرِفْ تأدية المعنى، أي: الدلالة على المعنى المراد، يقال: تأدى الأمر أُنْجِز، وإلى فلانٍِ توصل، والمعنى كما سبق مرارًا ما يقصد من اللفظ.

قال: بِطُرْقٍ، هذا متعلقٌ بتأدية المعنى، لأنه مصدر، جمع طريق، طُرْق، أصله: فُعْل، وخفف لغةً ولا نقول: للوزن، الوزن يقتضي ذلك، لكن ما دام أن له وجهًا عربيًا فيحمل عليه، لأن: فُعْل ككتب، هذا يجوز تخفيفه بإسكان عينه، سواء كان جمعًا أو مفردًا: قُفُل .. قُفْلٌ، كُتُب: هذا جمع، كُتْبٌ، طُرُق: هذا الأصل، طُرْقٌ، حينئذٍ جاز التخفيف بحذف الضمة، يعني: بتسكين العين، وهو لغةٌ ثابتة صحيحة.

وطُرُق: جمع طريق وهي لغةً: المسافة التي يقطعها المتحرك لأجل غرضٍ من أغراض التراكيب والعبارات الموصلة إلى المقصود، وعبر عنها بالطرق هنا مجازًا لعلاقة الاتصال، لأنها تراكيب في تعبيرات الأكثر: تراكيب، والتراكيب واضحة بينة، وإنما عبر عنها بالطرق لأن الطريق موصلٌ إلى المقصود، وكذلك التركيب موصلٌ إلى المقصود، حينئذٍ سمي التركيب: طريقًا مجازًا، لعلاقة الإيصال، فالطريق كما يكون حسيًا، كذلك يكون معنويًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت