مختَلِفْ وضوحُها: فاختلافها يكون في الاتضاح في الدلالة العقلية عليه، بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة، وبعضها أوضح، وليس المراد هنا وضوحهُا: ما يقابل خفائها من كل وجه لا، ليس هذا المراد، بل الخفي ركيك، وإذا كان ركيكًا حينئذٍ خرج عن البيان، الخفي من كل وجه هذا ركيك، وإذا كان ركيكًا حينئذٍ المعنى الركيك يعبر عنه بلفظ الركيك، هذا الأصل، حينئذٍ خرج عن علم البيان، وإنما المراد هنا وضوحُها: تفاوتها في نفسها، الكل واضحٌ، لكن بعضه أوضح من بعضٍ، كما نقول: وكلٌ صحيح .. وهذا صحيح .. وهذا أصح، حينئذٍ الاختلاف يكون في درجة واحدة، فاختلافها يكون في الاتضاح في الدلالة العقلية عليه -على المعنى الواحد-، بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة، وبعضها أوضح، ولا شك أن الواضح خفيٌ بالنسبة إلى الأوضح، يعني: فيه شيٌ من الخفاء.
فلذلك لم يحتج صاحب الأصل لأن يقول: وضوحها وخفاؤها كما قاله السكاكي، لكنه انتُقد، لأن الخفاء كما ذكرنا ركيك فهو خارجٌ، هذا إن كان من كل وجه، وإنما المراد هنا الوضوح وما يقابله ويكون واضحًا، إذًا: هذا واضح، وهذا أوضح، الواضح باعتبار الأوضح فيه خفاء، لكنه خفاءٌ نسبي وليس مطلقًا، حينئذٍ لا نحتاج أن نقول: وضوحها وخفاؤها كما قال السكاكي، بل لا يصح إرادة الخفاء، لأن ما ليس بواضحٍ أصلًا ليس طريقًا لطيفًا فلا يكون مقامًا بيانيًا بل ولا فصيحًا.
ليس إيراد المعنى الركيك بلفظٍ ركيك من مسائل هذا العلم، وإنما الكلام في طرقٍ واضحةٍ بعضها أوضح من بعضٍ، والاختلاف في الوضوح، فدرجاته مختلفة، وهذا كما سبق يقتضي أن بعضها أوضح من بعضٍ مع وجود الوضوح في كلٍ.
وفي المرشدي -شرح العقود-:"والمراد بالمعنى الواحد: كل معنىً واحدٍ يدخل تحت قصد المتكلم"يعني: بأن يكون مراعىً قصدًا، فلو عرف أحدٌ إيراد معنى قولنا: زيد جوادٌ، مثلًا بطرق مختلفة، لم يكن بمجرد ذلك عالمًا بالبيان، كما ذكرت سابقًا أن المعرفة لا تكفي وحدها، بل لا بد من المراعاة .. لا بد من الرعاية، فلو حفظ الألفية ولم يطبق ولم يفهم ولم يُعرِب، ما حفظ شيئًا من النحو، وحفظه وعدمه سواء.
كذلك هنا إذا علم البيان وعلم الطرق وحقيقة المجاز، وأنواع الحقائق والكناية والاستعارة بأنواعها لكنه لا يحسن أن يميز، إنما يحفظ تعاريف فقط وتعداد، هذا علمه وعدمه سواء، هذا لا ينفع، لماذا؟ لأن المراد بالعلم هو الملكة، فإذا لم تكن ثَم ملكة حينئذٍ ما الفائدة منها؟! ولذلك قال هنا: زيدٌ جوادٌ مثلًا إذا عرف كيف نأتي بالتعبير عن جود زيد، حينئذٍ لم يكن بمجرد ذلك عالمًا بالبيان، كما أنه لا يكون كذلك من عرف إيراد كل معنىً يدخل في قصد المتكلم وليست له ملكةٌ كالعربي المتكلم بالسليقة، فرقٌ بين النوعين: العربي المتكلم بالسليقة، حينئذٍ كلامه تابعٌ لقصده، وأما الذي تكون عربيته بالاكتساب فهذا شأنه يختلف عن الآخر.