إذًا: فعلم البيان علمٌ يعرف به إيراد المعنى الواحد، عرفنا المعنى الواحد احترازًا من المعاني المتعددة، فلو رأى أسدًا وقال: رأيت أسدًا، ورأيت غضنفرًا، ورأيت قسورةً نوع هنا، هل يسمى بيانًا؟ لا يسمى بيانًا، لأن الاختلاف هنا لم يكن في المعنى، وإنما هو في الألفاظ فقط، وإنما المراد هنا اختلاف المعنى الواحد: أن يأتي بأساليب مختلفة والمعنى متحد كشجاعة زيد.
علمٌ يعرف به إيراد المعنى الواحد، المدلول عليه بكلامٍ مطابقٍ لمقتضى الحال، بطرقٍ مختلفة في إيضاح الدلالة عليه، إذًا: الاختلاف هنا في الوضوح، بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة وبعضها أوضح، فخرج معرفة إيراده بطرقٍ مختلفة في اللفظ والعبارة دون المعنى، وإنما اختلفت هنا الطرق في اللفظ والعبارة فقط، بأن يكون اختلافهما بألفاظٍ مترادفة، كإيراد الحيوان المعلوم بالأسد والغضنفر وغيرها في تراكيب، حينئذٍ نقول: هذه التراكيب مختلفة، رأيت أسدًا .. رأيت قسورة .. رأيت غضنفرًا، نقول: هذه التراكيب مختلفة، لكن المعنى واحد، وهنا حصل الاختلاف في الألفاظ فحسب دون ما يتعلق باللفظ.
والمراد بالمعنى الواحد: كل معنىً واحدٍ يدخل تحت قصد المتكلم وإرادته، كما ذكرناه سابقًا.
والمراد بالطرق: التراكيب، ومثال ذلك: إيراد معنى زيدٌ جواد في طرق التشبيه، المجاز أنواع وسيأتي أمثلته: الاستعارة والكناية ونحوها، فطرق التشبيه تختلف، نقول: مثلًا زيدٌ كالبحر في السخاوة: هذا طريق، زيد كالبحر: حذفت وجه الشبه، زيدٌ بحرٌ، حينئذٍ نقول: هذه تراكيبٌ مختلفة والمعنى واحد، إذا حصلت ملكةٌ عند المتكلم باختلاف وتنويع هذه التراكيب مع وضوحها كلها، مع كون الأول زيدٌ كالبحر في السخاوة أوضح من قولك: زيدٌ كالبحر، وزيدٌ كالبحر أوضح من: زيدٌ بحرٌ، لكن القدر المشترك أن الكل واضح، وإنما تفاوتت في الوضوح، فالأول أوضح من الثاني، كما أن الثاني أوضح من الثالث، هذا الاختلاف وهذا التباين في التراكيب مع اتحاد المعنى نسميه: علم البيان، لكن لا بد أن يكون مطابقًا للمقام.
فنُّ البيانِ عِلْمُ ما بهِ عُرِفْ تأديةُ المعنى بِطُرْقٍ مختَلِفْ
وضوحُها، أي: وضوح دلالتها، ثم قال: واحصره في ثلاثةِ تشبيهٍ، احصره في ثلاثة، يعني: اعتقده محصورًا في ثلاثة أبواب، أو ثلاثة أصول أو أركان: تشبيه هذا النوع الأول، تشبيهٍ او مجازٍ، أو بمعنى: الواو، مجازٍ او كنايةِ، أو هنا بمعنى: الواو، وعرفنا وجه التقسيم فيما سبق: إما الإلحاق وإما الإطلاق، والإطلاق: إما ملزوم على لازم، أو عكسه.
ثم قال: فصلٌ في الدلالة الوضعية.
لما كان إيراد المعنى الواحد بطرقٍ، أي: تراكيب مختلفة تقتضي دلالة تلك التراكيب على ذلك المعنى، وليس كل دلالةٍ قابلةً للوضوح والخفاء، احتيج إلى تقسيمها وتعيين المقصود منها، لأننا عرفنا أنه لا بد أن تكون الأساليب مختلفة في الوضوح، إذًا: هل الدلالة -دلالة الألفاظ- على هذا الوضوح وما يقابله من الخفاء متحدة؟ لا، ليست متحدة، بل بعضها لا يقبل أن يوصف بكونه واضحًا أو خفيًا، لا يكون إلا واضحًا، حينئذٍ ما لم يكن إلا واضحًا فالأصل أنه خارجٌ عن الفن، وهو دلالة المطابقة كما سيأتي بحثه.