فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 828

إذًا: العلاقة بين هذا الفصل وهذا العلم -علم البيان-: هو أنه ليس كل دلالة لفظٍ تكون واضحةً، فنحتاج إلى تمييز الواضح من غيره، بمعنى: أن الوضوح وتفاوته إنما يكون في ما يقبل التفاوت، وما يقبل التفاوت هو أن يكون شيئًا عقليًا لا شيئًا وضعيًا، لأن الوضع هذا متفق عليه لا يتفاوت في نفسه، ولذلك انحصر عندهم البحث في الدلالة في نوعين اثنين: دلالة التزامية، ودلالة تضمنية، وكلاهما عقليتان عند البيانيين .. عند عامتهم، لأن العقل هو الذي يحصل فيه التباين، وفيه الاختلاف والتفاوت، وأما ما لا يحصل فيه التفاوت فهذا ليس بمراد، إذًا: عرفنا الفائدة هنا من ذكر هذا الفصل.

فصلٌ: في الدلالة الوضعية: فَصْلٌ .. فعْلٌ، والفصل في اللغة: هو الحاجز بين الشيئين، وفي الاصطلاح: الألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة.

في الدلالة: هذا مثلث الدال، يعني: يقال دَلالة ودِلالة، ودُلالة، أفصحها الفتح ثم الكسر وأردؤها الضم، وهي في الاصطلاح: فهم أمرٍ من أمرٍ، والفهم هو إدراك معنى الكلام، والأول المدلول والثاني الدال، فهم أمرٍ: هذا مدلول، من أمرٍ، يعني: من دالٍ، إذًا الأمر الأول هنا: المدلول، والأمر الثاني: الدال.

وقيل: كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيءٍ آخر، كون الشيء: هذا الدال، والثاني: يلزم من العلم به العلم بشيءٍ آخر، الثاني: المدلول، إذًا: الحد الأول قدم المدلول على الدال، والحد الثاني: قدم الدال على المدلول.

وأوضح من هذه العبارة -التعريف الثاني-: عبارة الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في المقدمة: كون أمرٍ بحيث يفهم منه أمرٌ فُهم بالفعل أو لم يفهم، هذا واضح ويبين الحد السابق، فهم أمرٍ من أمرٍ، يعني: بالفعل، لا بد أن يفهم، فما لم يسمع لا يسمى دليلًا، لأنك لم تفهم منه شيء .. ما لم يُسمع لا يسمى دليلًا .. ما لم تقف عليه وتفهم منه شيئًا بالفعل، لا يسمى دالًا في حقك أنت، وأما الثاني فيسمى: كل ما يمكن أن يفهم منه شيءٌ، سواءٌ فُهِمَ بالفعل .. بالإيجاد .. وجد الفهم، أو بالقوة، بمعنى: أنه لو عُرِضَ عليك وفهمت منه لصار دالًا، حينئذٍ أيهما أعم وأيهما أخص؟ الثاني أعم، والأول أخص، لأنه حصر الفهم بالفعل، والثاني جعل الفهم متعلقًا بالقوة، فدخل فيه بالفعل.

كون أمرٍ بحيث يفهم منه أمرٌ فُهِمَ بالفعل أو لم يُفهم، وقيل: مشتركةٌ بين الأمرين .. الدلالة مشتركة بين الأمرين.

وفهم أمرٍ من أمرٍ كفهم المسميات من فهم المراد بأسمائها، سماء: تعرف المراد أنه الجُرم إلى آخره، والماء: تعرف المراد، وأرض إلى آخره، فإذا أُطلق اللفظ وفهمت المراد منه حينئذٍ يسمى فهمًا، وهو: إدراك معنى الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت