فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 828

ووجه الشبه ينبغي أن يكون في نفسه مما يصح أن يقاس به غيره، لبلوغه الكمال في بابه، بمعنى: أن المشبه به قد اشتمل على أوصاف، هل كل وصفٍ يصح أن يلحق به أمرٌ ويراد به التشبيه؟ الجواب: لا، وإنما يُراد به وصفٌ من هذه الأوصاف التي قد ينفرد بها عن غيره، فنحتاج إلى إلحاق أمرٍ بأمرٍ، إذًا: ليس كل وصفٍ يصح أن يكون شبهًا، أو أن يكون وجه شبهٍ، أو أن يكون معنىً يصح أن يلحق به الأمر الأول بالثاني، وإنما يُراد به معنىً يصح أن يوصف بأنه بلغ الكمال في نفسه كالشجاعة في الأسد، تقول: زيدٌ كالأسد، في ماذا؟ في الشجاعة، الأسد وصفُ الشجاعة قائمٌ به، وليس فيه كلام .. ليس الكلام في شجاعة الأسد، وإنما الكلام في زيد، ووجد فيه المعنى الذي هو الشجاعة.

حينئذٍ ألحقنا الأمر الأول بالأمر الثاني، لأنهما قد اشتركا في معنىً، والمعنى هذا هو الشجاعة، وجودها في الأسد متفقٌ عليه، ووجودها في زيد هو الذي جئنا بالتشبيه من أجله، إذًا: المراد وصفٌ من أوصاف أحدهما في نفسه، ووجه الشبه ينبغي أن يكون في نفسه مما يصح أن يُقاس به غيره، ليس كل وصفٍ، ولذلك البخل والأبخل لا يُقال زيدٌ كالأسد في البخل، لماذا؟ لأن هذا الوصف حقير، وإنما يراد به الشجاعة إذا ألحق الفرد بالأسد.

مما يصح أن يقاس به غيره لبلوغه الكمال في بابه، وذلك كقولك: زيدٌ كالأسد، فإن المتكلم دل بهذا الكلام على مشاركة زيدٍ الأسدَ في الشجاعة، فدلالته على هذه المشاركة هي التشبيه، وهذا كإلحاق فرعٍ بأصلٍ لعلةٍ جامعةٍ في الحكم، فهو شبيه به، ولذلك يقال: كل تشبيه في القرآن، أو في السنة، وكل مثلٍ في القرآن أو في السنة فهو دليلٌ على جواز القياس في الشرع، كما نص على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، والمعنى هو المعنى.

إذًا: دلالةٌ على اشتراكْ أمرينِ: المشبه والمشبه به، في معنىً: ليس كل معنى، وإنما معنىً خاص يصح أن يقاس به أو يحمل عليه المشبه، بآلةٍ أتاكْ: الباء سببية، أتاك بآلة، يعني: أتاك هذا الشيء المذكور، وهو الدلالة على الاشتراك .. اشتراك أمرين في معنىً، بسبب آلةٍ، لا بد من الآلة .. بآلة: وهي أداة التشبيه، بآلةٍ أتاكْ: بآلة الباء سببية، والجار ومجرور متعلق بقوله: أتاكْ، يعني: أتاك هذا المذكور، وإلا الأصل أن يقول: أتتك، لأنه دلالة على اشتراك أمرين، أتتك هذه الدلالة بسبب آلة، وإنما ذكَّرَ باعتبار المذكور، أو لاحظ فيه معنى التشبيه، أتاك التشبيه بسبب آلة، يحتمل هذا وذاك، على كلٍ بآلة: متعلق بقوله: أتاك، وهو من باب التكميل -لفظ أتاك-.

بآلةٍ أتاكْ، أي: بآلة مخصوصة، كالكاف كما سينص عليه في الباب الآتي، سواءً كانت ملفوظةً أو مقدرة، فخرج بهذا القيد، بقوله: بآلةٍ أتاكْ، نحو: قاتل زيدٌ عمرًا، قاتل .. دل على اشتراك أمرين في معنىً، لكن ليس بآلة، وإنما بذات الفعل: قاتل زيدٌ عمرًا، اشتركا في القتال، إذًا: دلالةٌ على اشتراكْ أمرينِ في معنىً، لكنه ليس بآلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت