الثالث مما خرج: التجريد .. ما يسمى بالتجريد، الآتي في البديع: وهو أن يكون المشبه مذكورًا أو مقدرًا، ولم يكن اسم المشبه خبرًا للمشبه ولا في حكم الخبر مع حذف أداة التشبيه، وسيأتي بحثه في محله، نحو: لقيت من زيدٍ أسدًا، فهذه الثلاثة سيأتي شرحها إن شاء الله تعالى.
فيها دلالة على مشاركة أمرٍ لأمرٍ في معنىً، لكن لا يسمى تشبيهًا في الاصطلاح .. لا يسمى شيءٌ منها تشبيهًا في الاصطلاح، وعند صاحب المفتاح السكاكي: التجريد من التشبيه، يعني: التجريد مختلفٌ فيه، جمهور البانيين على أنه ليس داخلًا في التشبيه الاصطلاحي، وإنما هو منفكٌ عنه، وعند السكاكي يعتبر من التشبيه.
إذًا: خرجت ثلاثة أمور، حينئذٍ الاستعارة التحقيقية ليست من التشبيه الاصطلاحي .. التجريد ليس من التشبيه الاصطلاحي .. المكنية ليست من التشبيه الاصطلاحي، ودخل في التعريف نحو: زيدٌ أسدٌ، هذا مختلفٌ فيه، وهذا من المشكوك فيه، يعني: هل هو تشبيه أم لا؟ متردد فيه، للاختلاف فيه، هل هو استعارة، أو تشبيهٌ بليغ؟ زيدٌ أسدٌ، هل هو من باب الإلحاق ثم حذفت الأداة ووجه الشبه، أو من باب الإطلاق؟ يعني: شُبِّه في النفس ثم أطلق.
حينئذٍ وقع نزاعٌ بين البيانيين: هل هو من باب الإلحاق، أو من باب الإطلاق؟ المشابهة موجودة، لكن لما لم يذكر وجه الشبه ولم تذكر الأداة، هل ذكرت الأداة ثُم حذفت، أو ابتداءً لم يقصد به التشبيه الاصطلاحي، فليس عندنا أداة؟ هذا مما وقع فيه النزاع.
والصحيح: أنه تشبيه اصطلاحًا، الصحيح: أن نحو قولك: زيدٌ أسدٌ، هذا تشبيه اصطلاحًا، وهو من التشبيه البليغ الذي حذفت أداته ووجه الشبه كما سيأتي في محله، وليس باستعارة، لماذا؟ لأن المستعار له مذكورٌ: زيدٌ أسدٌ، زيدٌ: هذا مستعار له .. استعرنا لفظ الأسد، لأن المستعار له مذكورٌ، ولا تكون الاستعارة إلا حيث يُطوى ذكره، ويُجعل الكلام خاليًا عنه.
إذًا: الحاصل أن نحو زيدٌ أسدٌ مما وقع فيه نزاع، هل هو داخلٌ في الحد أم لا؟ بناءً على الخلاف: هل هو استعارةٌ، أم تشبيه بليغ؟ والصحيح الثاني: أنه تشبيه بليغ فهو داخلٌ، والتشبيه البليغ: هو ما حُذِفت فيه الأداة مع وجه الشبه، فصار ما يدخل في التعريف على جهة الإجمال أولًا: ما هو تشبيهٌ بلا خلاف، وهو ما ذُكر فيه أداة التشبيه، سواءٌ ذكر المشبه معها نحو: زيدٌ كالأسد، ذُكرت الأداة وذُكر معها المشبه، وهو زيد، ذكرت الأداة وذكر معها المشبه، أو حُذِفَ المشبه لقرينةٍ، نحو قول: كأسدٍ إذا وقع في جواب سؤالٍ، كيف زيدٌ؟ يعني: إذا لاحظ من حيث القرينة .. المقام، أنه يسأل عن شجاعته، كيف زيد، جبان أو شجاع؟ قال: كأسد، فحذف المشبه، إذًا: حذف لقرينة، لكونه واقعًا في جواب سؤال، هذا النوع يسمى تشبيهًا بلا خلاف، وهو ما ذكرت فيه أداة التشبيه سواءٌ ذكر المشبه به أو حذف لقرينة.