فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 828

فإن الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لا يدركه الحس، لأن الحس إنما يدرك ما هو موجودٌ في المادة .. حاضرٌ عند المدرك، على هيئات مخصوصة محسوسة، لكن مادتها، وهي مفرداتها التي تركبت منها كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كلٌ منها محسوسٌ بالبصر.

إذًا: دخل في الحسي الخيالي، وهو المركب المعدوم الذي مفرداته حسية مدركةٌ بالحس.

ثم قال: وحِسِّيانِ مِنْهُ الطَّرَفانْ أيضًا وعقليّانِ: أيضًا .. آض يئيض أيضًا إذا عاد ورجع، وهنا متقدمٌ عن تأخير، كأنه قال: وعقليان أيضًا. أي: وعقليان أيضًا، أي: منسوبٌ كلاهما إلى العقل على العكس السابق، المشبه والمشبه به في السابق كلٌ منهما حسي، وهنا كلٌ منهما عقلي، يعني: المشبه عقلي لا يدرك بالحس، وكذلك المشبه به عقلي لا يدرك بالحس، والعقل عندهم: عبارة عن غريزةٍ يلزمها العلم بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات، ومجاري العادات، مثل ماذا كلٌ منهما عقلي؟ الجهل والردى، الرَّدَى: بالفتح الهلاك، إذا شبه الجهل بالردى، كلٌ منهما عقلي، الجهل عقلي لأنه عدم العلم أو انتفاء العلم عما من شأنه العلم، والردى الذي هو الهلاك هذا كذلك عقلي، فإذا شبه الجهل بالردى حكمنا على أن المشبه والمشبه به كلٌ منهما عقلي.

ووجه الشبه ما أشار إليه -هكذا قاله في المرشدي- قائل:

أَخو العِلمِ حيٌ خَالدٌ بَعدَ مَوتِه ... وَأوصَالُه تَحتَ التُّرابِ رَمِيمُ

وَذُو الجَهلِ ميتٌ وَهْو مَاشٍ عَلى الثَّرَى يُظَنُّ مِن الأَحيَاءِ وَهْو عَدِيمُ

يعني: الجاهل عديم، وكذلك الهلاك عدم، هذا عدم وهذا عدم، كلٌ منهما مشبه بالآخر.

أيضًا وعقليّانِ أو مُختلِفانْ: أو مختلفان، يعني: متغايران، أي: منسوبٌ أحدهما إلى الحس والآخر إلى العقل بأن يكون المشبه حسيًا، حينئذٍ يكون المشبه به عقليًا والعكس: المشبه يكون عقليًا والمشبه به يكون حسيًا فهما مختلفان، أي: متغايران، بأن يكون المشبه حسيًا والمشبه به عقليًا، أو بالعكس، كالنور والهدى إذا شبه الأول بالثاني، النور كالهدى، النور حسي يدرك بالبصر، والهدى عقلي، إذًا: شبه الأول بالثاني الحسي بالعقلي، فإن النور حسي والهدى عقلي، ووجه الشبه بينهما كونهما جهتي وصولٍ إلى المقصود، يعني: النور تصل به وكذلك الهدى، واضح بين، والسَّبُع والموت، إذا شبه الثاني بالأول، فإن السَّبُع حسي والموت عقلي، إذا شبه الموت بالسبع، حينئذٍ نقول: شبه العقلي بالحسي، شبه العقلي الذي هو الموت بالحسي، العقلي هذا تنزلًا معه، لأن الموت عقلي، وإلا إذا فسر بنزع الروح هذا فيه شيءٌ من النظر، على كلٍ هذا هو المثال عند البيانيين.

إذًا: وحِسِّيانِ مِنْهُ الطَّرَفانْ ... أيضًا وعقليّانِ أو مُختلِفانْ: أشار بهذا إلى أن كلًا منهما المشبه والمشبه به، يكون حسيًا ويكون عقليًا، ويكونا مختلفين، يعني: الأول عقلي والثاني حسي، أو بالعكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت