فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 828

ثم أورِدَ نكتة وفائدة هنا: ثم الوجه في تشبيه المحسوس بالمعقول، ما الفائدة، النور كالهدى، ما الفائدة في أن تشبه المحسوس بالمعقول؟ قالوا: الوجه في تشبيه المحسوس بالمعقول، أن يقدر المعقول محسوسًا، ويجعل كالأصل لذلك المحسوس على طريق المبالغة، يعني: فيه تَنْزِيل .. تَنْزِيل المعقول مُنَزَلة المحسوس، وإلا فالمحسوس أصلٌ للمعقول، فكيف يشبه المعقول بالمحسوس؟ نقول: لا، لأنه نُزِل المعقول مُنَزَلة المحسوس، لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها، فتشبيهه بالمعقول يكون جعلًا للفرع أصلًا، والأصل فرعًا، فلذلك سُلِكَ في تشبيهه به هذا الوجه، بأن يُنَزَّل المعقول مُنَزَّلة المحسوس، يعني: نرد المعقول إلى المحسوس، كأنه يقول: بأن الأصل أنه لا يشبه المحسوس إلا بمحسوس، فإن شبه بمعقولٍ فلكونه نزل منزلة المحسوس، هذه النتيجة.

ودخل في العقلي: الوهمي، العقلي كما سبق ما عدى الحسي، أي: ما لا يكون هو ولا مادته مدركًا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، أي: ما لا يكون هو -إذا كان مفردًا- ولا مادته مدركًا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، ومنه بهذا التفسير الوهمي، يعني: نريد أن ندخل الوهمي في العقلي منه بهذا التفسير، لأنه عدم، إذا قيل: المعقول ما عدا المحسوس، حينئذٍ عممنا، ما هو المحسوس؟ ما يدرك هو أو مادته بإحدى الحواس، ما عداه العقلي ومنه الوهمي.

بخلاف الخيالي إذ للحس مدخلٌ فيه فإنه منتزعٌ منه، ما هو الوهمي؟ قالوا: ما ليس مدركًا بإحدى الحواس، ولكنه لو أدرك لكان بها مدركًا، لو أدرك .. هذا المفروض لأُدرك بإحدى الحواس، إذًا: هو في الأصل غير مدرك، لكن لو أدرك لأُدرك بإحدى الحواس، كما قيل: مسنونةٌ كأنياب أغوال، ليس عندنا أنياب أغوال، لكنها لو وجدت في الواقع تدرك بالحس، هذا المراد بالوهمي.

إذًا: دخل في العقلي الوهمي: وهو ما ليس مدركًا بإحدى الحواس ولكنه لو أدرك لكان بها مدركًا، كقوله: ومسنونة - يقصد بها السهام:

ومسنونة زرقٌ كأنياب أغوال ..

فأنياب الأغوال مما لا يدركه الحس لعدم وجودها، لا نراها .. غير موجودة هي أصلًا، لكنها لو وجدت لأدركت بالحواس، يعني: إذا وجدت في الواقع لم تدرك إلا بحاسة البصر.

حينئذٍ نقول: الوهمي يتميز عن الخيالي السابق بأن لا وجود لمادته ولا لنفسه، الخيالي قلنا: مادته موجودة في الواقع، الزبرجد والأعلام إلى آخره، لكنه هو غير موجود، إذًا: مادته موجودة، وهنا الوهمي لا وجود لمادته ولا لنفسه، غير موجود، حتى يدرك هو أو مادته بالحواس، ويتميز الوهمي عن العقلي الصرف بأنه لو وجد وأدرك لأدرك بالحواس، لو قال قائل: أنياب أغوال هذه غير موجودة، إذًا: لماذا لا نقول: هي عقلية صرفة؟ نقول: لأنها لو وجدت -تنزيلًا- لأدركت بالحواس، وليس إدراكها لو وجدت يكون بالعقل، فهو عقليٌ لكنه ليس محضًا، إذًا: يتميز الوهمي عن العقلي الصرف بأنه لو وجد وأدرك لأدرك بالحواس، بخلاف العقلي المحض، فإنه يوجد ويدرك بغير الحواس كالعلم والحياة، هذه مدركة بالعقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت