"وتلك الهيئة غير وجودةٍ في المشبه به وهو السنن"بين الابتداع .. ليس عندنا شيءٌ منعزل بياض، فيقال: هذا له لونٌ وهو أبيض، والبدعة لها لونٌ وهو السواد ليس عندنا هذا، وإنما فيه تشبيه، وفيه إلحاق، إلا على طريق التخييل والتأويل، لماذا؟ ما وجه هذا التأويل والتخييل، لأنه لما كانت البدعة، وكل الجهالات تجعل صاحبها كمن يمشي في الظلمة ولا يهتدي للطريق، ولا يأمن أن ينال مكروهًا شبهت بها، ولزم بالعكس أن نشبه السنة بالبياض، إذا كانت البدعة والجهالات ومثل هذه الأمور مظلمة، والسالك فيها سالكٌ في ظلمة العكس بالعكس، تكون السنة لمن كان سنيًا إذا سلك بها يكون سالكًا في شيءٍ مضيء.
ولزم بطريق العكس أن تشبه السنة وكل ما هو علمٌ بالنور، لأن السنة والعلم يقابل البدعة والجهل، كما أن النور يقابل الظلمة، وشاع ذلك يعني: استعماله، حتى تُخيِّل أن السنة ونحوها مما له بياضٌ وإشراق .. كأن السنة لها بياضٌ وإشراق، نحو: {تركتكم على الحنيفية البيضاء} وصفها بالبيضاء لكونها مشرقة، هل الإشراق أو البياض حقيقي هنا؟ الأصل لا، وتُخيِّل أن الأول وهو البدعة ونحوها على خلاف ذلك، أي: مما له ظلامٌ وسواد، كقولك: شاهدت سواد الكفر من جبين فلان .. سواد الكفر، الكفر ليس له سواد، فصار بسبب ذلك تشبيه النجوم بين الدجى، أي: الظلمة بالسنن بين الابتداع كتشبيهها ببياض الشيب في سواد الشيب، هنا نظر إلى مجموعة أمور، ولم ينظر إلى شيءٍ معين، ولذلك سمي تخييلًا.
إذًا: قد يكون المعنى موجودًا في المشبه به حقيقةً، وقد يكون تأويلًا، وهذا الذي يسمى بالتخييل.
ثم قال: وداخِلًا وخارجًا تُلْفيهِ .. والوَجهُ ما يشْتَرِكانِ فيهِ: عرفنا حقيقة الوجه، وداخِلًا وخارجًا تُلْفيهِ، داخلًا مفعول تلفيه، ألفى هذه من أخوات (ظن) تنصب مفعولين، أول وثاني، أين الأول هنا؟ تلفيه، وأين الفاعل؟ أنت .. تلفي أنت إياه، يعني: وجه الشبه، خارجًا وداخلًا، خارجًا وداخلًا هذا اصطلاح منطقي، داخل الماهية وخارج عن الماهية، ولذلك ثَم مسائل مبنيةٌ على علم المنطق، وهذه كلها اصطلاحات .. ليت هناك من يوجد ويجرد الفن عن هذه، لأنها تقسيمات، وأكثرها لا يُحتاج إليه، إذا عرفنا أن المشبه حسي وعقلي، أو يكون مختلف، تقسيمات لا داعي لها، لا ينبني عليها فرعٌ البتة، وكل ما لا ينبني عليه فرع فالأصل عدمه، وهذا التقسيم حتى المرشدي نص على هذا، قال:"تبع فلانًا السيوطي في عقود الجمان والأصل عدمه."على كلٍ:
وداخِلًا: الواو هذه داخلةٌ على: تُلْفيهِ، يعني: وتلفيه تجده، ألفى قولها كذبًا ومينًا، يعني: وجد قولها، تُلْفيهِ، أي: تجده، وتجده وتلفيه داخلًا، هذا مفعول ثاني، وخارجًا.