لكنه شاذٌّّ من جهة أخرى، ولا مانع من إطلاق الشاذ في القرآن إذا أُريد به الشاذُّ المخالفُ لقواعد الصرفيين لا استعمالًا، الذي شذَّ استعماله في لغة العرب هذا لا يجوز ذكره، لا يجوز أن يُحكم على القرآن بكونه شإذن بهذا المعنى، مثل ما قيل: فإنه أهلٌ لأن يُأَكرم، يُأكرم: يُكْرِم .. يُكْرَم، هذه الواو من أين جاءت؟ يُأَكرم يُكْرِم .. أكرَمَ أفعلَ، نقول: نُكْرِم ونُكْرِم وتُكْرِم، بدون الهمزة، وهنا قال: يوأكْرَمَ، نقول: هذا ذكرٌ لأصلٍ مهجور، وهذا من الأشياء التي يقف عندها الصرفيون، هذه ما يتركونها، إذا جاءت كلمة شاذّة بعيدة جدًا لا بد أن يقفوا معها، ثم أن ينظروا في فروع هذه الكلمة، فيجدون إلى أن هذه الكلمة أصلٌ ولكن هذا الأصل مهجور، أمَا قلنا: إن الفعل المضارع إنما يُؤخذ بزيادة حرفٍ من حروف المضارع على ماضيه، قام يقوم، خرج يخرج، قعد يقعد نقعد تقعد أقعد، قام يقوم نقوم أقوم، إذن: زِيدت ماذا؟ زِيدَ حرفٌ من حروف المضارعة على أول الماضي.
طيب! أكْرَمَ الأصل أن نقول: يُأَكرِم نُأَكرِم تُأَكرِم، هذا الأصل؛ لأن وظيفتنا أن نزيدَ حرفًا من حروف المضارعة على الحرف الأول، وهنا أصل الفعل الماضي: أكرمَ، فحينئذٍ نقول: أُأَكرِمُ الهمزة الأولى مضمومة همزة المضارعة، والثانية هي الزائدة في الماضي، يُأَكرِم تُأَكرِم يُأَكرِم، لكن قالوا: إذا قلنا: أُأَكرِم اجتمع همزتان، وهمزتان مخرجُهما واحد وهو الحلق، فزادَ الفعلَ ثِقلًا على ثقلٍ؛ لأن الهمزة أكرم فيه نوع ثِقل كون الحرف الأول من حروف الحلق، ثم تزيد عليه من نوعه وجنسه، هذا زادَهُ ثقلًا على ثقل فأرادوا التخفيف، فحذفوا الهمزة التي هي همزة الكلمة الماضي ولم يحذفوا الهمزة التي هي همزة المضارعة، لماذا؟ لأنها تدلّ على معنى.
أيضًا همزةُ المضارعة كلمة، حرف معنى وليست حرفَ مبنى، وتلك حرف مبنى، وهذا فيه تنظير، أُأَكرِم، إذن: أردنا أن نحذف إحدى الهمزتين قالوا: نحذف الهمزة الثانية: أُكرِم، انتهت العملية، انتقلنا إلى المبدوء بالياء والنون، فقالوا: نُأَكرِم يُأََكرِم تُأَكرِم، إذن: لا إشكال ليس عندنا اجتماع همزتين، قالوا: لكن عندنا قاعدة الغالب أنها تستعمل، وهي: أن يكون الباب على وتيرة واحدة، فكما حذفنا الهمزةَ من المضارع المبدوء بهمزة المضارعة للتخفيف طردًا للباب على وتيرة واحدة، فخفَّفوا الجميع كي ينتظم.
خفَّفوا الجميع لكي ينتظم، خففوا الجميع ما هو؟ يعني: المبدوء بالهمزة والمبدوء بالياء والمبدوء بالنون والمبدوء بالتاء، لما استُعملَ فإنه أهلُ لأن يُأَكرَم، نقول: هذا شاذٌ استعمالًا لأن العرب لم تستعمله هكذا في الأصل، وشاذٌّ قياسًا، شاذٌ استعمالًا لا قياس؛ لأنه وافقَ القياس، لكن لو وردَ هل يجوز لنا أن نستعمل هذا اللفط أُأَكرم ونُأَكرم؟ نقول: لا، هذا استعماله غير فصيح؛ لأن العرب لم تستعمله، فاستعمالُه يكون مخالفًا للقواعد العامة التي وضعها الواضع.