وواحدًا يكونُ أوْ مؤلَّفا: أو يكون مؤلفًا، والمؤلف والتركيب عند الكثير من أهل اللغة بمعنىً واحد، وإن كانت عبارة صاحب الأصل: مركبًا، وهذا هو المشهور، أَوْ مُؤلَّفًَا، أي: مركبًا، ولا شك أن المركب إنما يكون مركبًا من متعدد .. ثم هذا التركيب إما أن يكون تركيبًا حقيقيًا أو اعتباريًا. إما تركيبًا حقيقًا بأن يكون وجه الشبه حقيقةً ملتئمة من أمورٍ مختلفة، يعني: يكون مركب بالفعل من عدة أمور، وهذه الأمور موجودة ومدركة، أو تركيبًا اعتباريًا بأن يكون هيئة منتزعة، يعني: عندنا أشياء ووجه الشبه ليس عين تلك الأمور -المفردات-، وإنما هيئةٌ منتزعة من المجموع، هذا يسمى تركيبًا، لكنه باعتبار الهيئة المنتزعة، لا باعتبار الأفراد، التركيب السابق الحقيقي باعتبار الأفراد، حينئذٍ صار مؤلفًا من متعدد، وأما الذي لا يكون ملاحظًا فيه الأفراد بذاتها، وإنما بالهيئة المنتزعة من الأفراد يسمى تركيبًا اعتباريًا، التركيب الاعتباري لا وجود له في الأصل، وإنما هو شيءٌ متخيل.
إذًا: أَوْ مُؤَلَّفًَا، أي: مركبًا من متعددٍ، إما تركيبًا حقيقيًا بأن يكون وجه الشبه حقيقةً ملتئمة من أمورٍ مختلفة بالفعل .. موجودة، وتكون هذه الأمور المختلفة هي وجه الشبه، أو تركيبًا اعتباريًا بأن يكون هيئةً انتزعها العقل من عدة أمور، أي: استحضرها العقل، ومن عدة أمور: أي من ملاحظتها وتلك الأمور لم يصل مجموعها حقيقةً واحدة، بخلاف أمور التركيب الحقيقي.
وحينئذٍ نقول: المركب تركيبًا اعتباريًا في الأصل لا حقيقة له في حد ذاته، بل هو هيئةٌ منتزعة يلاحظها العقل من عدة أمور، بحيث لا يصح التشبيه إلا باعتبار تعلقها بمجموع الأجزاء، إذًا: التركيب الحقيقي تلاحظ فيه الأمور مع كونها مجتمعة، والتركيب الاعتباري لا تلاحظ الأمور وإنما الهيئة الحاصلة المنتزعة من تلك الأمور، إذًا: التركيب الحقيقي له وجودٌ بالفعل، التركيب الاعتباري ليس له وجود، وإنما هو مقدرٌ، يعني: شيءٌ معقول في الذهن.
أوْ مُتَعَدِّدًا .. ستأتي الأمثلة كلها إن شاء الله، أوْ مُتَعَدِّدًا: أو: للتنويع، متعددًا: هذا معطوف على قوله: واحدًا، أوْ مُتَعَدِّدًا: بأن يُنْظَرَ إلى عدة أمور ويُقصَدَ اشتراك الطرفين في كل واحدٍ منها، انظر .. في التركيب أمور متعددة، لكن المجموع هو وجه الشبه، ليس كل واحدٍ بعينه، وهنا المتعدد عدة أمور، وكل واحدٍ بنفسه هو وجه شبه، بمعنى: أنه يصلح أن يكون وجه شبه، لو أريد التشبيه به.
بأن يُنْظَرَ إلى عدة أمور ويُقصَدَ اشتراك الطرفين في كل واحدٍ منها، أي: يكون كلٌ منها وجهًا للشبه، ولهذا فارق المركب السابق المؤلَّف، فإنه لم يُقصَد فيه اشتراك الطرفين في كلٍّ من تلك الأمور، بل في الهيئة المنتزعة، أو في الحقيقة الملتئمة، يعني: إما في الهيئة المنتزعة في التركيب الاعتباري، أو في الأمور نفسها في التركيب الحقيقي.
ثم قال: وَكُلٌّ عُرِفَا، وكلٌ: التنوين هذا عوض عن كلمة، وَكُلٌّ، يعني: كل واحدٍ من هذه الأقسام الثلاثة، عُرِفا: الألف هذه للإطلاق، بِحِسٍّ، يعني: بسبب حسٍ، الباء سببية، وبحسٍ: متعلق بقوله: عرفا.