وَتشبِيهٌ نُمِي فِي الضِّدِّ، قلنا: في الضد: حالٌ من نائب فاعل نُمي، للتمليحِ: بتقديم الميم، وهذا متعلقٌ بنُمي إذا جعلناه خبرًا عن المبتدأ، والتَّهَكُّمِ: تهكم فلانٌ على غيره، واستهزأ به واستخف، المراد به السخرية والاستهزاء، والتمليح: بتقديم الميم على اللام، وإن كانت في نسخة: بتقديم اللام على الميم، وهذا نوعٌ آخر سيأتي في باب البديع إن شاء الله تعالى.
وَتشبيهٌ نُمي في الضدِّ، أي: أن وجه الشبه -هذا نوعٌ من أنواع وجه الشبه-، أن يكون مأخوذًا بالضد، وَتشبيهٌ نُمي في الضدِّ، أي: أن وجه الشبه يكون مأخوذًا من التضاد، ومعلوم أن التضاد لا يجتمعان، ويمكن أن يفترقا، القيام والقعود ضدان لا يجتمعان، لا يمكن أن يكون قاعدًا قائمًا في وقتٍ واحد، ويمكن ألا يتصف بالقيام ولا بالقعود يضطجع، إذًا: لا يجتمعان ويرتفعان، ولكن المراد هنا ما هو أعم.
أي: أن يكون وجه الشبه مأخوذًا من التضاد، فيُنَزَّل مُنَزَّلة التناسب، لأن الضد مع ضده ليس ثَم مناسبة، ولكن هنا ننزل التضاد مُنَزَّلة التناسب، فحينئذٍ يشبه الشيء بما قام به المعنى المضاد لما قام بذلك المشبه، يعني: زيدٌ جبان، إذا قلت: زيدٌ كالأسد، الجبن والشجاعة ضدان، حينئذٍ شبهت زيدًا بالأسد في ماذا؟ ليس في الشجاعة، هنا وجه الشبه الأصل أنهما متضادان، الجبن والشجاعة، ولكن نُزِّلَ الجبن مُنَزَّلة الشجاعة فأُلحق به .. نُزِّلَ مُنَزَّلة أنه مناسبُ له فألحق به، وهذا إما أن يُراد به التمليح، وإما أن يراد به السخرية، وإما هذا أو ذاك وكلاهما صالح، كما سيأتي.
إذًا: يشبه الشيء بما قام به معنىً مضادٌ لما قام بذلك المشبه، يعني: نزلنا التضاد مُنَزَّلة التناسب، وجعلنا الجبنَ مثلًا في المثال السابق بمنزلة الشجاعة إما تمليحًا أو سخريةً، وذلك إذا كان القصد من هذا الحمل .. حمل الضد على ضده .. إذا كان القصد التهكم، يعني: الاستهزاء بالمشبه أو التمليح، أي: جعل الكلام مليحًا مستظرفًا، قالوا: كتشبيه البخيل بحاتم، فيقال: مررت برجلٍ حاتم، أكرمه يعني وهو لم يكرمه بشيء، وكتشبيه الجبان بالأسد وكلٌ من المثالين صالحٌ أن يكون مثالًا للتمليح والتهكم.
عرفنا التمليح المراد به: جعل الكلام مليحًا مستظرفًا، مثل التنكيت مثلًا .. تنكت وتقول: زيدٌ كالأسد وهو جبان، يخاف من الصرصار .. يشرد، فأنت تقول: زيدٌ كالأسد! كذلك يكون بخيلًا.
وكلٌ من المثالين صالحٌ أن يكون مثالًا للتمليح والتهكم، وإنما يُفَرَّق بينهما بحسب المقام، يعني: القرائن هي التي تدل على ذلك، فإن كان الغرض مجرد الظرافة والملاحة من غير قَصد إلى استهزاء أو سخرية فتمليحٌ وإلا فتهكمٌ.
إذًا: وتشبيهٌ نمي، يعني: نسب في الضد، للتمليح اللام هنا للتعليل، يعني: لأجل التمليح، أو والتهكم، إما هذا أو ذاك، كأنه يحصر لك وجه الشبه إذا كان تضادًا، يكون في هذين الغرضين فقط، وما عداهما فلا، إذا كان القصد التمليح أو التهكم صح، وما عداهما فلا يحمل على المضاد، لأنك تُنَزِّل الجملة مُنَزَّلة الشجاعة، وتُنَزِّل البخل مُنَزَّلة الكرم والجود، وهذا الأصل عدمه، إنما التنزيل هنا من باب وجود القرينة، وهي الملاحة أو التهكم.