فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 828

فإنه لما ادعى -أولًا ادعى-: أن الممدوح فاق الناس، فإن تفق الأنام .. فاق الأنام، حتى صار أصلًا برأسه وجنسًا بنفسه، كأنه مستقل .. غلو .. كأنه مستقلٌ بنفسه، وكان هذا في الظاهر كالممتنع، احتج لهذه الدعوة، وبين إمكانها بأن شبه هذه الحالة بحال المسك، خرج عن أصل الإنسان فجاء إلى الحيوان، الذي هو من الدماء، ثم إنه لا يعد من الدماء .. المسك أصله من الدماء ثم لا يعد من الدماء، إذًا: خرج عن أصله، وأنت مثل المسك أصله دم، ثم خرج صار مسكًا فليس من أصل الدماء وأنت مثله، هذا غلو جدًا.

ثم إنه لا يعد من الدماء لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا توجد في الدم، والتشبيه فيه ضمني لا صريح، لأن المعنى: إن تفق الأنام مع أنك واحدٌ منهم فلا استبعاد في ذلك، لأن المسك بعض دم الغزال وقد فاقه، حتى أنه لا يعد منها، فحالك شبيه بحال المسك.

أوْ إيصالِ، أو بمعنى: الواو، إيصال: هذا مصدر أوصله الشيء وإليه أنهاه وأبلغه إياه، ومنها إيصالِ .. إيصالِ حال المشبه، أي: تقريرها في نفس السامع، وتقوية شأنه، إيصال قلنا: الإيصال في اللغة: مصدر أوصله الشيء وإليه أنهاه وأبلغه إياه، وهذا المعنى موجودٌ في المعنى الاصطلاحي، وحينئذٍ يريد معنىً أو حال يريد إيصاله، يعني: تقريره في حال ونفس السامع، وتقوية شأنه، كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على شيء .. يسعى ويسعى ويسعى ولا يحصل على شيء، شبهه بماذا؟ بمن يرقم على الماء .. يكتب على الماء. كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه، يعني: عمله وكسبه، على شيء بمن يرقم على الماء، فإنك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة وتقوية شأنه حالًا لا تجده في غيره، لو كتب أيامًا وأسابيع وأشهرًا على الماء ما خرج بفائدة وهو واضح مدرك للبعيد والقريب.

لأن إلفك بالحسيات أتم منه بالعقليات، لتقدم الحسيات كما سبق، العقليات مأخوذة ومستفادة من الحسيات. وفرط إلف النفس بها.

إذًا: من لا يحصل من سعيه على شيء كراقمٍ على الماء، بجامع أن كلًا منهما لا ينتفع.

تزيينٍ، يعني: وتزيينٍ، وهو مأخوذ من الزينة وهي ما يزين به، زانه زينًا جملَّه وحسَّنه، إذًا: فيه تزيين، زيدٌ كالبدر، فيه تزيين. ومنها تزيينٍ، أي: تزيين المشبه، أي: لبيان زينة المشبه عند السامع ليرغب فيه، كما في تشبيه وجهٍ أسود بمقلتي الضبي فإنها سوداء، لو قلت: ليلى كالبدر، واضح المعنى هنا، لكن يذكرون هذا المثال ونذكره .. كما في تشبيه وجهٍ أسود بمقلتي الضبي، فإنها سوداء قد اشتهرت بالحسن، فتشبيهه بها إفراغٌ له في قالب الاستحسان وتبعيدٌ له عن أن يكون أسود أكدر مرغوبٌ عنه .. بعض السواد فيه جمال، وبعض السواد لا يكون فيه جمال.

مقلة الضبي، قالوا: هي التي سوادها مستحسنٌ طبعًا، والمقلة شحمة العين التي تجمع السواد والبياض، وصحة التشبيه مبنيٌ على ما نقله السعد عن الأصمعي: أن عين الضبي والبقر الوحشيين إنما يظهر فيه البياض والسواد بعد الموت، وأما حال الحياة فعيونهن سودٌ كلها وهي جميلة، فيشبَّه الأسود بمقلتي الضبي.

تزيينٍ او تشويهٍ، يعني: وتشويهٍ، تقول: شوهه، يعني: قبحه، تقول: زيدٌ كالحمار، تزيين أو تشبيه؟ لا يحتاج إلى جواب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت