فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 828

وذلك كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على شيءٍ كالراقم على الماء، فالمشبه هو الساعي لا مطلقًا، بل بقيد: ألا يحصل من سعيه على شيء، وأما الساعي الذي يحصل فليس داخلًا معنا، والمشبه به هو الراقم لا مطلقًا، بل بقيد أن يكون رقمه على الماء، فوجه الشبه بينهما هو التسوية بين الفعل وعدمه، في عدم الفائدة، وهو موقوفٌ على اعتبار هذين القيدين، كأن النظر هنا منصبٌ إلى القيد وليس إلى الساعي ولا إلى الراقم، وإنما النظر فيه إلى القيد.

إذًا: قد يكون مفردًا بمفرد، وكلٌ منهما مقيد، والمراد بالتقييد هنا أو القيد ما له مدخلٌ في التشبيه كالمثال الذي ذكرنا.

أو لا يكونا مقيدين بقيد مما ذُكِر من الوصف والحال والإضافة ونحوها كتشبيه الخد بالورد، خدٌ كوردٍ، هنا مطلق ومطلق، يعني: غير مقيد وغير مقيد، أو مختلفان بالتقييد وعدمه فيهما، قد يكون الأول مقيد والثاني غير مقيد أو بالعكس، بأن كان أحدهما مقيدًا والآخر غير مقيدٍ كقولهم:

الشمس كالمرآة في كف الأشل، الشمس هذا مشبهٌ، كالمرآة: مشبه به، لكنه مقيد بكونها المرآة في كشف الأشل، يعني: يد الأشل، فالمشبه وهو الشمس غير مقيد، والمشبه به وهو المرآة مقيدٌ بكونه في كف الأشل، أو عكسه: أن يكون الأول مقيدًا والثاني غير مقيد، كتشبيه المرآة في كف الأشل بالشمس، المرآة في كف الأشل كشمسٍ أو كالشمس، فالأول مقيد .. المشبه، والثاني غير مقيد وهو المشبه به.

إذًا: النوع الأول باعتبار الطرفين من القسم الأول من أقسام التشبه: تشبيه مفردٍ بمفردٍ، سواءٌ كانا مقيدين أو لا، أو مختلفين.

الثاني: تشبيه مركبٍ بمركب، وهو -النوع الثاني هذا-: ما طرفاه -المشبه والمشبه به- مركبان، بأن يكون كلٌ من الطرفين كيفيةً حاصلةً من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئًا واحدًا، كقول القائل:

كأنَّ مُثار النقعِ فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه

كأن: هذا أداة تشبيه، مُثار النقع: أثار الشيء حركه، والنقع المراد به الغبار، فوق رؤوسنا، إذًا: غبارٌ فوق الرؤوس ليس مطلقًا بل هو مركب .. هيئة منتزعة، وأسيافنا: هذا مفعولٌ معه، ليلٌ تهاوى كواكبه، فمثار بضم الميم اسمٌ مفعولٍ من أثار الغبار هيَّجه وحرَّكه، والنقع: الغبار، فوق رؤوسنا، أي: منعقد فوق الرؤوس، وأسيافنا -بالنصب-: الواو بمعنى: مع، وأسيافنا: مفعولٌ معه، وهذا لا بأس به، وعامِله مُثار لأنه فيه معنى الفعل وحروفه، وتهاوى كواكبه، أي: تتساقط طائفةٌ بعد طائفة.

وإنما كانا الطرفان مركبين لأن المشبه هو الهيئة المنتزعة من السيوف المسلولة المقاتل بها .. ليس مطلقًا، مع انعقاد الغبار فوق رؤوسهم بالهيئة المنتزعة من النجوم وتساقطها بالليل إلى جهاتٍ متعددة، إذًا: مركب بمركب.

قال التفتزاني:"ويجب في تشبيه المركب بالمركب: أن يكون كلٌ من المشبه والمشبه به هيئةٌ حاصلةٌ من عدة أمور"كما سبق معنا، المركب الحسي أو العقلي، ومن ذاك الخيالي أو الوهمي، كل ما قيل يذكر هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت