فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 828

ثم ذكر أسباب الغرابة، يعني: غريب لماذا؟ لِكَثْرَةِ التّفصيلِ، هذا متعلقٌ به، أوْ لِنُدَرةِ في الذّهْنِ كالتّركيبِ في كـ"نُهْيَةِ"، يعني: غرابة التشبيه حاصلةً بغرابة وجه الشبه، وغرابة الوجه تكون لوجهين، هكذا تقدير البيت، غرابة التشبيه عرفنا: يكون غريبًا كما يكون قريبًا، فغرابة التشبيه حاصلةٌ بغرابة وجه الشبه، ووجه الشبه يكون غريبًا لسببين لكثرة التفصيل، أو لندرة حضور المشبه به في الذهن، التي نص عليهما الناظم رحمه الله تعالى.

لِكَثْرَةِ التّفصيلِ، يعني: في الوجه، والمراد هنا بالتفصيل .. كثرة التفصيل المراد: اعتبار أوصافٍ كثيرة في التشبيه على وجهٍ لطيف، لا يدركه إلا الأذكياء، لِكَثْرَةِ التّفصيلِ، أي: في الوجه كقوله:

والشمس كالمرآة في كف الأشل ..

الشمس: هذا مشبه، والمشبه به المرآة بقيدٍ، ما وجه الشبه؟ وجه الشبه هنا غريب مركب، وفيه أسباب كثيرة يعني: تحتاج إلى تفصيل، فإن الرجل ربما ينقضي عمره ولا يتفق له أن يرى مرآةً في يد أشل، الأشل إذا وضعت المرآة الصغيرة في يده تلعب، يحصل لها بروز أو ارتجاف أو شيء كالشمس أول ما تطلع، هذا وجه الشبه، فيصير فيها اضطراب، فإذا وضع الشيء في يده يرتج، وإذا كان ثَم نور أو شيء حينئذٍ تجد كأنها الشمس أول ما تطلع.

فإن الرجل ربما ينقضي عمره ولا يتفق له أن يرى مرآةً في يد أشل، -وقد رأيتُ شيئًا من ذلك- قاله السعد-.

فالمشبه به هنا بعيدٌ عن الفكر لا ينتقل إليه بسرعةٍ لشدة ندرته، ووجه الشبه هو الهيئة المجتمعة من الاستدارة .. استدارة المرآة والإشراق وسرعة الحركة، واتصالها، وتموج الإشراق واضطرابه بسبب تلك الحركة التي هي من اليد، حتى يظهر الشعاع كأنه يفيض من جانب الدائرة، ثم يضعف ويبقى مترددًا بين الانبساط تارة والانقباض أخرى بسبب الحركة الاضطرابية، يذهب ويأتي.

وإذا تأملت حال الشمس عند الطلوع وجدتها كالمرآة في جميع ما ذُكِرَ، لأنها تروح مضطربة كما تضطرب المرآة في كف الأشل، فقد اشتمل على تفاصيل كثيرة، قاله المصنف في شرحه كما نقله المحشي.

إذًا: لِكَثْرَةِ التّفصيلِ، يعني: ثَم أمور مركبة من أشياءٍ متعددة، وهذه كما ذكره في المثال السابق، إذًا: لِكَثْرَةِ التّفصيلِ، كثرة التفصيل في وجه الشبه يصير به غريبًا، وإذا كان وجه الشبه غريبًا حكمنا على التشبيه بأنه غريب، إذًا: لِكَثْرَةِ التّفصيلِ، المراد اعتبار أوصافٍ كثيرة في التشبيه على وجهٍ لطيف لا يدركه إلا الأذكياء.

أوْ لِنُدَرةِ: لندرة باللام ليس الندرة، أوْ لِنُدَرةِ في الذّهْنِ، أي: ندور حصول المشبه به في الذهن، يعني: قليل الحصول نادر، إذا شبهت شيئًا ظاهرًا بشيءٍ نادرٍ الانتقال إليه فيه شيءٌ من الصعوبة، حينئذٍ لندوره واستحضاره في الذهن صار الوجه .. وجه الشبه غريبًا، وذلك يستتبع ندرة إدراك الوجه به فتحصل الغرابة المقتضية للاختصاص للأذكياء بذلك الإدراك القليل، لكونه وهميًا كأنياب الأغوال، لو قيل: كأنياب أغوالٍ، أين يتصورها؟ -يحتار- وهو بعيدٌ عن الفكر لعدم وجودها أصلًا، أو لكونه مركبًا خياليًا، كما سبق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت