هذا تقسيمٌ للتشبيه باعتبار القوة والضعف في المبالغة، باعتبار ذكر الأركان وتركها، يعني: بالنظر إلى الأركان نفسها، قد تكون مذكورة، وقد تكون محذوفة، يعني: بعضها.
وأبلَغُ، يعني: أقوى وَوَصَل، لأن البلوغ هو الوصول، وأبلَغُ التّشبيهِ، يعني: أقواه مبالغةً، ما حذف منه، (ما) أي: الذي مِنْهُ حُذِفْ، منه: متعلق بقوله: حُذِفْ، وَجْهٌ: نائب فاعل، وآلَةٌ: معطوفٌ عليه، يعني: أعلى درجات التشبيه ما حذف منه وجه الشبه وآلته، يليهِ في الرتبة والقوة: ما عُرِفْ، مما سبق، يعني: مما يُعلم.
سبق أن أركان التشبيه أربعة، أركانه أربعة وجهٌ أداة .. والمشبه به مذكورٌ قطعًا، لا بد أن يكون مذكورًا، والمشبه إما مذكور، وإما محذوف، الأركان أربعة: مشبه به مذكورٌ قطعًا، والمشبه إما مذكور وإما محذوف، وعلى التقديرين فوجه الشبه إما مذكور وإما محذوف، اثنان في اثنين بأربعة، وعلى التقادير إما أن تكون الآلة محذوفة، وإما مذكورة، كم؟ ثمانية، إذًا: الصور ثمانية.
وعلى التقديرين فوجه الشبه إما مذكور أو محذوف، وعلى التقادير فالأداة إما مذكورة أو محذوفة، هذه ثمان مراتب متفاوتةٌ في القوة والضعف، يعني: متفاوتة قوةً وضعفًا في التأكيد ونحوه، تختلف في ذلك باعتبار ذكر أركانه أو بعضها، فإذا ذُكِر الجميع كان أدنى المراتب: زيد كالأسد في الشجاعة، هذا تطويل، حينئذٍ صار أدنى المراتب، فإذا ذكر الجميع كان أدنى المراتب، وإن حذف الوجه والأداة فأعلاها -مع ذكر المشبه-، فقط حذف الوجه والأداة، فهو الذي نص عليه الناظم: وأبلَغُ التّشبيهِ ما مِنْهُ حُذِفْ وَجْهٌ وآلَةٌ، هذا أعلى المراتب، أدنى المراتب ما ذُكِرَ فيه الكل، وإن حُذِفَ الوجه والأداة فأعلاها، وإلا فمتوسطها، يعني: ما بين الأعلى والأدنى فهو متوسط.
إذًا: أقواها ما حذف منه وجه الشبه والأداة، وأدناها ما ذكر فيه الجميع، وما حذف منه بعضها دون بعض بشرط ألا يكون من الصورة الأولى فهو متوسط، هذا على جهة الإجمال، أما التفصيل فنقول: فأعلاه في القوة في المبالغة حذف وجهه والآلة معًا بدون حذف المشبه، مع بقاء المشبه .. هذا على هذا، نحو: زيدٌ أسدٌ، هذا الصورة الأولى .. قلنا: ثمانية:
الصورة الأولى: زيدٌ أسدٌ، حذف وجه الشبه وحذفت الآلة معًا، وذكر المشبه، لماذا كانت هذه أعلى الدرجات .. لماذا هي أعلى المراتب؟ لأن فيها عمومًا من وجهين، وإنما كانت هذه أقوى الكل لاشتمالها على قوة الحكم على المشبه بأنه المشبه به، فيها قوة .. حكمنا على المشبه بأنه المشبه به .. زيدٌ أسدٌ، ليس كقول: زيدٌ كالأسد، يفهم من الجملة الأولى أن المشبه عين المشبه به، فردٌ من أفراده، لاشتماله على قوة الحكم على المشبه بأنه المشبه به.
ثانيًا: قوة عموم وجه الشبه بسبب عدم ذكره، يعني: إذا حُذف الشيء دل على العموم، زيد أسدٌ، قد يظهر أن الأصل هو الشجاعة، ثَم أوصاف أخرى، حينئذٍ فيه شيءٌ من العموم، لهذين الأمرين جعل المشبه هو عين المشبه به ولإفادة العموم صارت هذه الجملة أقوى من غيرها مما يذكر معها.