ولذلك لا يوجد له مثال لا في فصيح الكلام لا شعرًا ولا نثرًا، لأنه غلط، وإذا كان غلط لا يمكن أن يكون مقصودًا، ركبت فرسًا حمارًا، هو أراد الحمار ما أراد الفرس، وسبق لسانه إلى الفرس، حينئذٍ نقول: ما وُضِع لفظ الفرس مرادًا به ما صدق عليه الحمار، هذا محل وفاق، حينئذٍ نقول: هذا لا حقيقة ولا مجاز.
لا حقيقة، لأنه لم يوضع له في لسان العرب، ولا مجاز لانتفاء العلاقة، إذًا: خرج بهذا القيد: الغلط، نحو: خذ هذا القوس مشيرًا إلى الكتاب، وخرج المجاز المستعلم فيما لم يوضع له في اصطلاحٍ به التخاطب ولا في غيره، ولذلك قيده بعرف ذي الخطاب، لكن ما خرج بهذا القيد الثاني خرج بالقيد الأول، وليس بالقيد الثاني.
إذًا: خرج المجاز المستعمل فيما لم يوضع له في اصطلاحٍ به التخاطب ولا في غيره، كالأسد في الرجل الشجاع، رأيت أسدًا يرمي، لأن الاستعارة وإن كانت موضوعةً بالتأويل إلا أن المفهوم من إطلاق الوضع إنما هو الوضع بالتحقيق، لأن الوضع هذا فيه كلامٌ طويل عريض.
والمراد بالوضع عند الإطلاق: الوضع التحقيقي المقابل للتأويلي، أعم من أن يكون شخصيًا أو نوعيًا، والوضع في المجاز وضعٌ نوعي، ولذلك ثَمَ خلافٌ عندهم، وخاصة عند الأصوليين: هل المجاز موضوعٌ أم لا؟ الصحيح أنه موضوع، لكنه وضعٌ نوعي، إذ الوضع نوعان شخصي ونوعي، والشخصي: هو الذي سبق بيانه: جعل اللفظ دليلًا على المعنى .. جعل اللفظ بإزاء معنىً ما، بمعنى: أن لفظ سماء جعل مرادًا به الجرم المعهود، الأرض مرادًا به المعنى المراد، وكذلك الإنسان، وكذلك النوم والأكل والشرب ونحوها، هذه كلها ألفاظ جعلت بإزاء المعنى.
حينئذٍ نقول: متعلق اللفظ شخص، وهو اسمٌ فقط أو فعل أو حرف، هذا يسمى وضعًا ولكنه وضعٌ شخصي، بمعنى: أنه متعلقٌ بالشخص كالفعل والاسم والحرف.
ونوعي: وهو كل ما تكون دلالته بحسب الهيئة دون المادة، ويدخل في هذا كل ما جُعِل صيغةً ثم بعد ذلك يفرَّع عليه من الآحاد ما لا نظير له، فيقال: إذا أردت المثنى فتأتي بألفٍ ونون في حال الرفع، وياء ونون في حالتي النصب والخفض، ويأتي الفعل الماضي على وزن فَعَل وفَعِلَ ويَفْعُلُ، وإذا جاء على وزن فَعَلَ بفتح العين مضارعه إما يَفْعُل أو يَفْعَل، هذا الأصل، هذه أوزان، المراد بها هنا الهيئة أو المادة .. المادة يعني: الحروف؟ المراد بها الهيئة، هذا وضعٌ نوعي، إذا أردت النسبة فحينئذٍ تضيف ياء النسبة إلى الاسم الملحق به، فتقول: قرشيٌ .. حنفيٌ .. حنبليٌ .. مالكيٌ .. شافعيٌ .. هذه كلها النسبة.
عندنا قاعدة، هذه القاعدة موضوعة، لكنها وضعٌ نوعي، بمعنى: أنه نُظِرَ إلى الأصل، وأما الآحاد والأفراد فلا يلتفت إليها، هذا نسميه: وضعًا نوعيًا، فالمثنى وطريقة استيفاء المثنى، والجمع بأنواعه، وكذلك المنسوب، والتصغير، والأفعال الثلاثية على ثلاثة أنواع، والفعل المضارع وأبوابه ستة، ونحو ذلك، كل هذا يسمى: وضعًا، لكنه وضعٌ نوعي.