ودخل المشترك في الحد .. في الحد هنا، لأن عدم دلالته على أحد معنييه بلا قرينةٍ لعارضٍ وهو الاشتراك، وهذا لا ينافي تعيينه للدلالة عليه بنفسه، ولذلك المرجح عند الأصوليين، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى: أن استعمال المشترك في معنييه أو معانيه إن لم يكن تضاد حقيقة، ينبني على هذا حكم شرعي: إذا علق الحكم الشرعي على لفظٍ مشترك حمل على جميع معانيه، هذا هو الصحيح، أنه يحمل على جميع معانيه، فكل معنىً يدخل تحت اللفظ المشترك حينئذٍ نقول: هذا يشمله الحكم، كما أن العام يصدق على كل أفراده، ولذلك هو من صيغ العموم في هذا الموضع، بمعنى: أن له أفرادًا، وكل فردٍ يصدق عليه الحكم، هذا بشرط أن لا يكون ثَمَ تنافي، لأنه لا يمكن الجمع بين النقيضين: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) ) [البقرة:228] نقول: هذا لا يمكن، لماذا؟
لأن القرء هنا يراد به الطهر والحيض، ويستحيل عقلًا هنا أن يكون الحكم مرتبًا على النوعين، حينئذٍ لا بد من قرينةٍ خارجة، فلو لم يكن ثَمَّ تنافٍ حينئذٍ يحمل اللفظ على معنييه، ومن هنا قال الجمهور: أن المسجد الحرام يعم جميع مساجد الحرم، بمعنى: أنه لا يختص ببناء الكعبة .. المسجد الذي يكون خلف الكعبة، لماذا؟ لأن الحكم عُلِّقَ على المسجد الحرام، ووجدنا أنه باللغة وبالعرف أنه يطلق ويراد به بناء الكعبة، يعني: الذي هو حول الكعبة، واستعمل في الشرع مرادًا به الحرم كله، حينئذٍ يحمل على هذا وذاك، إلا بقرينة، وأما حديث جابر عند مسلم: {إلا مسجد الكعبة} نقول يعني: كأنه قال إلا مسجد مكة، لأن الكعبة اسمٌ من أسماء مكة (( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ) ) [المائدة:97] .. (( هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) ) [المائدة:95] يعن: بالغًا الحرم فيطلق على الحرم، على كلٍ: ليس هذا المراد.
إذًا: فيما وُضِعْ لَهُ، يعني: في المعنى الذي وضع له فيه، يعني: في ذلك المعنى.
بِعُرْفِ ذي الخِطابِ .. بعرف: الباء هنا بمعنى: في، يعني: في عرف، وقوله: فيما هذا متعلقٌ بماذا؟ فيما .. الواضع قد يكون لغويًا، وقد يكون شرعيًا، وقد يكون عرفيًا، لأننا نريد أن ندخل الأنواع الثلاثة في هذا الحد، حينئذٍ: فيما وضع في عرف المخاطِب بكسر الطاء، إذًا تعلق بماذا؟ انظر إلى المعنى، إذا نظرت .. المتعلقات الجار والمجرور هذه فيها إشكالات كبيرة جدًا، قد تجد خمس كلمات الجار والمجرور يصح أن يتعلق بأي واحد من جهة اللغة، يعني: القاعدة .. إذا جرينا وكما يعبر القيم: ظاهرية النحاة، نقول: يجوز أن يتعلق بكذا، ويجوز أن يتعلق بكذا وإلى آخره، لكن من حيث المعنى قد يختلف المعنى .. قد يكون المعنى الذي أراد أن يتكلم به المتكلم إنما يكون بما إذا تعلق بالأخير مثلًا أو بالأول، حينئذٍ نعلقه به، وهنا عندنا الواضع يختلف، إما أن يكون الشرع، وإما أن يكون اللغة، وإما أن يكون العرف، وأردنا أن نقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: كلاهما شرعيٌ أو عرفيٌ ..
حينئذٍ لا بد أن نجعل قوله: بعرفي، يعني: فيما وضع له في عرف المخاطِب، وعرف المخاطِب إذا كان المخاطِب الشرع فحينئذٍ الحقيقة شرعية وهكذا.