ثم المجاز قسمان: مفردٌ ومركبٌ، ثمَّ: هذه للترتيب الذكري، بعد أن عرفنا الحقيقة أراد أن يُعَرِّف المجاز، لكن المجاز على نوعين: مفرد ومركب، ولا يمكن جمعهما في حدٍ واحدٍ، فقسَّم أولًا ثُم عَرَّف المجاز الذي هو المفرد، وقسمه إلى مرسل واستعارة، إذًا: لماذا قسَّم أولًا ثُم عَرَّف؟ لكونه لا يمكن أن يجمع تعريفين أو الحقيقتين المفرد والمركب في تعريفٍ واحد، لأنهما متباينان، فكيف يجمع بينهما؟ إذًا: لا بد أن نقسم أولًا ثم بعد ذلك نعرف، كما نقول: الكلمة اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ، ثم الاسم: كلمةٌ دلت إلى آخره، إذًا: قسمنا أولًا ثم بعد ذلك عَرَّفْنَا.
ثمَّ المجازُ: الذي هو مقابلٌ للحقيقة، قَدْ يجيءُ، قد: للتحقيق، يجيءُ قلنا: المجيء هنا ليس المراد به المجيء الحسي، وإنما المراد به شيءٌ معنوي، يعني: يثبت مجيء جاء كذا، وجاء إلى آخره، جاء ثالثًا التصريف، كيف يجيء .. المجيء هو الحسي الأصل فيه، حينئذٍ نقول: أراد به الثبوت والورود، يجيء هو، أي: المجاز حال كونه مفردًا، من الإفراد المقابل للمركب.
وَقَدْ يَجِيْ، وقد: للتحقيق، يجي، يعني: المجاز حال كونه مركبًا، إذًا: مفردًا ومركبًا منصوبان على الحال، لأن يجيء هذا لا يتعدى إلى مفعول به، وإذا قيل: بأنه لا يتعدى إلى مفعولٍ به لكونه لازمًا لا يلزم منه ألا ينصب، لأن المراد من الفعل اللازم أنه لا يتعدى إلى مفعولٍ به فقط، وليس المراد أنه لا ينصب كما يظنه البعض لا، جاء زيدٌ راكبًا، راكبًا: هذا حال، وجاء بالإجماع أنه لازم، إذًا: لا يتعدى إلى مفعولٍ به.
طيب! راكبًا كيف نصب؟ نقول: لا يلزم .. لا يلزم من عدم نصبه المفعول به ألا ينصب حالًا، بل هو لازمٌ وقد تعدى ونصب حالًا لا مفعولًا به وهكذا.
وَقَدْ يَجِيْ مُرَكَّبًا، يعني: حال كونه مركبًا.
إذًا: المجاز قسمان: مفردٌ ومركب.
فالمُبتَدا ..
كَلِمَةٌ غابَرَتِ الموضوعَ مَعْ قَرينةٍ لِعَلْقَةٍ نِلْتَ الوَرَعْ
كاخلَعْ نِعالَ الكونِ كَيْ تراهُ وَغُضَّ طَرْفَ الْقَلْبِ عَنْ سِواهُ
رحمه الله.
فالمُبتَدا: الفاء هذه فاء الفصيحة، المبتدا، يعني: المبتدأ به في التقسيم، يعني: الأول .. السابق المفتتح به التقسيم، فالمُبتَدا: الذي هو المفرد أراد أن يحده، فالمُبتَدا، أي: الذي ابتدئ به، وهو المفرد كَلِمَةٌ: هذا خبر المبتدأ .. فالمُبتَدا مبتدأ، وكلمة: هذا خبره، وهنا قال: كلمة، ولم يقل: لفظٌ، ووافق الأصل الذي هو الإيضاح والتلخيص، حينئذٍ نقول كَلِمَةٌ: أراد بها الكلمة التي هي اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ، كَلِمَةٌ: عبر بالكلمة دون اللفظ لأنه أراد المفرد لا المركب.
كَلِمَةٌ غابَرَتِ الموضوعَ، غابرت أي: جاوزت، إذا فهمت الحقيقة .. حقيقةً على الوجه الذي أريد حينئذٍ تفهم المجاز، لأنه بعكسه، إذًا: غابَرَتِ، يعني: جاوزت، فعرفنا أن المجاز: هو الكلمة الجائزة أو المجوز بها، الجائزة يعني: المتعدية، أو تُعُدِّي بها، هذا أو ذاك.