فخرجت الكناية لأنها مستعملةٌ في غير ما وضعت له مع جواز إرادته، الكناية .. سيأتي المبحث الثالث .. استعمل اللفظ في غير ما وضع له، لكن مع جواز إرادة المعنى الأصلي، لماذا؟ لأنه لا يشترط فيها قرينة، فرقٌ بين المجاز والكناية، وإن كانت الكناية مبنية على المجاز، لأنها مستعملةٌ في غير ما وضعت له مع جواز إرادته، يعني: المعنى الذي وضع له في لسان العرب، مع جواز إرادته حيث لا قرينة تصرف عن ذلك.
ثم قال في النظم: لِعُلْقَةٍ، يعني: لعلاقةٍ تكون بين المعنى الحقيقي والمجازي، والعلاقة عِلاقة، قيل بالكسر .. كسر العين المهملة كما صححه قطب في شرح المفتاح، وضبطها العصام في شرح الاستعارة - هذه رسالة طيبة مطبوعة - في شرح الاستعارة بالفتح، وهذا هو الأفصح: العَلاقة في المعاني، والعِلاقة في المحسوسات.
وقال العصام:"وأما بالكسر ففي الأمور الحسية"وهي أي العَلاقة: ما يُتمكن بها من التجاوز عن المكان الأصلي إلى غيره من المناسبة الواقعة بين المنقول عنه والمنقول إليه، يعني: لا بد من مناسبةٍ بين المعنيين، ليس كل لفظٍ يُنقل عن المعنى الأصلي إلى معنىً ثاني هكذا دون علاقةٍ بينهما.
فالصلاة لما أخِذَ عن معنى الدعاء اللغوي، وسميت به العبادة المخصوصة لاشتمالها على الدعاء، إذًا: ثَمَ مناسبة بينهما، لما اشتملت العبادة المخصوصة ذات الهيئة المخصوصة على الدعاء حينئذٍ ناسب أن يُنقل اللفظ الدال على الدعاء إلى هذا اللفظ، هذه هي العلاقة بينهما.
وسميت علاقة لأن بها يتعلق ويرتبط المعنى الثاني بالأول، فينتقل الذهن منه إلى الثاني، وإنما اشترطت ليتحقق الاستعمال على وجهٍ يصح فخرج الغلط من التعريف، كقولك: خذ هذا القوس مشيرًا إلى الكتاب، لأنه ليس ثَم علاقة بينهما، لأن هذا الاستعمال ليس على وجهٍ يصح لعدم العلاقة بين القوس والكتاب.
ثم اعلم أن المعتبر في العلاقة نوعها دون شخصها، العلاقة المراد به النوع دون الشخص، الشخص بمعنى: أن يكون الآحاد منقولًا عن العرب، بمعنى: أنك لن تستعمل المجاز إلا ما استعملت العرب فيه المجاز، وما عداه فلا، هذا إذا أريد به الأشخاص، يعني: المسند والمسند إليه، نفس التراكيب، ولكن ليس المراد ذلك، وإنما المراد به النوع، فالعلاقة هنا المراد بها النوع.
المعتبر في العلاقة نوعها دون شخصها، ومعناه: أنه يجب أن يُنقَل عن العرب إذنٌ في الصور الكلية، كاستعمال السبب في المسبب، يكفي مثال واحد أن العرب أطلقت السبب وأرادت به المسبب، أو أطلقت المسبب وأرادت به السبب، وحينئذٍ تستعمل أنت ما شئت من الأفراد، أما النوع الصورة الكلية أو القاعدة العامة فلا بد من إذن من العرب، إذا لم ينقل لا يصح.
كاستعمال السبب في المسبب دون الجزئية، كاستعمال هذا السبب في هذا السبب، هذا الجزئية، فالمراد به القواعد الكلية العامة دون الجزئية التي هي الآحاد، فإطلاق السبب على المسبب كنوعٍ منقولٌ، لكن استعمال هذا السبب بعينه في هذا السبب بعينه، لا يشترط أن يكون منقولًا عن العرب.