مثلًا: يجب أن يثبت أن العرب يطلقون اسم السبب على المسبب، ولا يجب أن يُسمع إطلاق الغيث على النبات مثلًا، إذا لم تستعمله العرب نستعمله نحن، لأن الأصل وارد وهو إطلاق السبب على المسبب، وأما الغيث إطلاقه على النبات لم يُسمع كمثال، فإذا لم يُسمع لا ينفي إطلاقه لوجود النوعي، وهذا معنى قولهم: المجاز موضوعٌ بالوضع النوعي لا الوضع الشخصي.
إذًا: خرج المهمل والغلط والكناية من هذا الحد.
كَلِمَةٌ غابَرَتِ الموضوعَ مَعْ قَرينةٍ لِعُلْقَةٍ نِلْتَ الوَرَعْ
فالمجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاحٍ به التخاطب على وجهٍ يصح، مع قرينة عدم إرادته، وهذا تعريف المجاز المفرد، ويقابله المركب، ولما كانت حقيقة كلٍِ منهما تخالف الأخرى لم يمكن جمعهما في تعريفٍ واحد، فلذلك أفرد كلًا منهما بتعريف، فقدم المفرد لبساطته.
نِلْتَ الوَرَعْ: هذه جملة تكملة للبيت، يقال: نال الشيء نيلًا: أدركه وبلغه، وورع يرع ورعًا، تحرج وتوقع للمحال ثم استعير للتأثم من الحلال المباح فهو ورعٌ، وعرفه في الشرح: ترك ما لا شبهة فيه خوفًا من الوقوع في الشبهة، وهو ملاك الدين كله.
ثم مثل الناظم بقوله، مثل صوفي: كاخلَعْ نِعالَ الكونِ كَيْ تراهُ: اخلع .. خلع الشيء خلعًا: نزعه، هذا أمر .. خلع الشيء خلعًا نزعه، ونعال الكون: المراد بالكون: الوجود المطلق العام، ونِعال: هذا مفعول به، ونعال: مضاف، والكون: مضافٌ إليه، إذًا: المراد بالكون هنا الموجودات .. الوجود المطلق العام، وقد استعير لفظ: النعال، للمحقرات، يعني: الموجود، أو الوجود فيه شيءٌ حقير، وهذا الحقير يشبه النعال، اخلع .. انزع نعال الكون، يعني: المحقرات الموجودات فترتقي حينئذٍ.
كَيْ تراهُ: لأجل تراه، كي: هذا حرف تعليل، أي: لأجل أن تراه، الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل، على كلٍ هذا على طريقة الصوفية، والنعل: الحذاء، يُجمع على نعال، هنا نعال جمع ليس بمفرد، وأنعل، وقيل بإبدال الكون بالعين هكذا وقف المحشي على نسخةٍ كاخلع نعال العين كي تراه، نعال العين لأن العين فيها الشهوات، اخلع نعال العين، يعني: شهوات العين، فإذا خلعتها حينئذٍ تراه، والمراد بنعالها: شهواتها.
والجامع في الأول .. الكون يعني: مطلق الحقارة، وفي الثاني: المنع والتجوز على كلٍ في النعال، نعال هنا استعمل في غير ما وضِعَ له، لأن النعل معروف الحذاء، واستعمل إما في المحقرات، وإما في الشهوات، هذا أو ذاك، إذًا استعمل اللفظ في غير ما وضع له.
وَغُضَّ طَرْفَ الْقَلْبِ عَنْ سِواهُ: عن سوى الله عز وجل، غض: هذا أمر، والطرف: هو العين، هنا أضيف إلى القلب، وهذا مثالٌ للمركب، لأنه استعارة، وَغُضَّ طَرْفَ الْقَلْبِ عَنْ سِواهُ: هذا فيه استعارةٌ مكنية، شبه القلب بإنسانٍ بصيرٍ بجامع توصل كلٍ منهما إلى المراد بالكشف عنه، والطرف تخييل والغض ترشيح كذلك، ففي البيت مثالٌ لنوعين من المجاز، يعني: الشطر الأول للمجاز المفرد والشطر الثاني للمجاز المركب.
ثم قال رحمه الله تعالى:
كِلاهُما شَرْعِيٌّ اوْ عُرْفِيُّ نَحْوُ"ارْتقَى للحَضْرَةِ الصُّوفِيُّ"