بقي اسم الجمع، اسم الجمع ما حدّه؟ ما دلّ على أقل الجمع، لا بد إذا ذُكر لفظ الجمع لا بد أن يكون مدلوله الجمع، اسم جنس جمعي، إذن لا بد أن يدل على أقل الجمع.
اسم جمعٍ: لا بد أن يدل على أقل الجمع، ولكن لا واحد له من لفظه كقوم، ورهط، ونساء،"نساء"ليس عندنا واحد من لفظه، وإنما من معناه وهو امرأة، امرأة ليست واحد من نساء من جهة اللفظ، وإنما هي من جهة المعنى، قوم: دلّ على الجمع، وليس له واحدٌ من لفظه، كذلك رهط: دل على جمع وليس له واحدٌ من لفظه.
إذن قوله: من تنافر الكلم، أي: من التنافر وهو التباعد من النفور الواقع في الكلم، أي: بينها، يعني: بين الكلم، إذا قلنا: الكلم هذا اسم جنس جمعي، يرد إشكال: وهو أن أقل اسم الجنس الجمعي ثلاثة، وعليه لا يصدقُ هذا الضابط على ما تركَّبَ من كلمتين:"زيدٌ قائمٌ"لا يوصف بالفصاحة، أليس كذلك؟ نقول: لا، المراد بالكَلِم هنا ما فوق الواحد، يعني: استُعملَ مجازًا في الاثنين والأكثر، كما سبق معنا مرارًا في السُّلّم: أنه قد يُستعمل الجمع مرادًا به الاثنين فأكثر، وهنا لا بد من حملِ كلامه على الاثنين فأكثر؛ لأن الكلم: اسم جنس جمعي أقله ثلاثة.
إذن: من تنافر الكلم: المراد بالكلم ما فوق الواحد، من إطلاق الجمع على الاثنين، قلنا تنافر: هذا تفاعل مصدر: تنافرَ يتنافر تنافرًا، والمراد به التباعد، أن يكون بين الكلمتين فأكثر تنافر وتباعد، ضبطوه بأنه قالوا: والمراد من التنافر بين الكلمات منافرة كل واحدة للأخرى، وليس المراد به منافرة حروف كلّ كلمة مع حروف الأخرى، لم؟
أقول: تنافر الكلم المراد به المنافرة والمباعدة بين كلمتين فأكثر، لا بد أن تكون المنافرة بين الكلمات، وليس المراد بين حروف الكلمة؛ لأن التنافر بين حروف الكلمة هذا مرجعُهُ فصاحة المفرد وقد سبق، إنما المراد هنا: مع اشتراط فصاحة الكلمة، أن لا تُنافِرَ الكلمة الأخرى الفصيحة، وليس المراد من هذا الشرط في حد الكلام؛ لأننا قلنا: فصاحة المفرد كالشرط في فصاحة الكلام، إذن: لا بد أن تُستصحَبُ تلك المعاني الثلاث فيحكم على كل كلمة من كلمات الكلام بأنها فصيحة: أن تخلُصَ من تنافر الحروف ومن الغرابة ومن مخالفة القياس.
حينئذٍ إذا ثبتَ فصاحةُ المفرد مع فصاحة مفردٍ آخر نقول: يُشترط في فصاحة الكلام أن لا يكون بين الكلمتين الفصيحتين تنافر.
إذن: من تنافر الكلم، المراد من التنافر هنا بين الكلمتين، منافرة كل واحدة للأخرى، وليس المراد منافرة أجزاء الكلمة فإنه من فصاحة الكلمة، ما ضابطه عندهم؟ قالوا تنافر الكلم: أن تكون الكلمات ثقيلةً على اللسان ويَعسُر النطق بها مع فصاحتها، أو فصاحة كل منها على حدة.
إذن: كما ذكرنا في تنافر الحروف هناك: أن لا تكون الكلمة ثقيلة على اللسان، ويعسُر النطق بها، كذلك أن لا تكون بين الكلمتين ثقلٌ على اللسان وعسر النطق بها، أيضًا التنافر هنا كما هو هناك على مرتبتين: منه ما هو بلَغَ المنتهى في النفرة، ومنه ما هو دون ذلك، ما بلغَ المنتهى في النفرة مثَّلوا له بالبيت الذي أنشده الجاحظ في البيان والتبيين، وهو قوله:
وقبرُ حربٍ بمكان قفرِ وليس قُربَ قبرِ حربٍ قبرُ