قيل: هذا من شعر الجن! ولذلك قالوا: لا يمكن أن يكررها إنسان ثلاث مرات دون أن يتتَعتعَ فيها، وجربوا ... وليس قُرب قبرِ حربٍ قبرُ: قُرْبَ: لو نزّلنا عليها فصاحة المفرد هل هي فصيحة أم لا؟ فصيحة قُربَ، قبرِ .. حربِ .. قَبْرُ، هذه فصاحة كلها كلمات فصيحة، إذن: من أين حصل الثقل؟ من اجتماع الكلمات، إذن: كل كلمة على حدة هي فصيحة، ولكن باجتماع الكلمات بعضها إلى بعض قد يحصل بينها ثقل، ويكون هذا الثقل قد بلغَ منتهاه:
وذو تنافرٍ أتى كالنصر كليس قرب قبر حرب قبر
هذا الذي بلغ المنتهى.
واضح هذا؟ من الذي يحكمُ بأن هذه متنافرة أو لا؟ الذوق السليم، يكون عند الإنسان ملكة إما كَسبيّة وإما سليقية، أن يحكم العرب أنفسهم، وإما أن يكون الإنسان قد أخذ دربةً وعلمًا بلغة العرب فحينئذٍ يحكم على هذا التركيب أنه متنافر الكلمات أو لا.
الذي هو دون ذلك مثّلوا له بقول الشاعر:
كريمٌ متى أمدحه أمدحه والورى معي وإذا ما لمتُهُ لمتُهُ وحدي
كريمٌ متى"أمدحه أمدحه"تكرر هنا، ذكر صاحب الإيضاح: أن منشأ الثقل هنا من اجتماع الحاء مع الهاء،"أمدحه"فيه ثقل، ما وجه الثقل؟ اجتماع الحاء مع الهاء، والحاء والهاء هذه من الحلقية، إذن: أدت إلى الثقل، رُدّ هذا بوجوده في القرآن: (( فَسَبِّحْهُ ) ) [ق:40] اجتمعت الحاء مع الهاء، رُدّ بأن الذي في القرآن قبل الحاء سكون: فسبِّحه الباء مكسورة أليس كذلك؟ التي فسبح نعم مشدودة بكسرة، وأمدحه الذي قبل الحاء فتحة، قالوا: الفتحة أدّت إلى الثقل، وليس فقط الحاء مع الهاء، وإنما لكون ما قبلها مفتوحًا.
ورُدَّ هذا بأن الحاء والهاء هذه من تنافر الكلمات أو الحروف؟ قيل: الحروف، الحاء والهاء، وقال بعضهم: نزيد عليها الهمزة أيضًا أمدحه، ورُدّ هذا القول الأخير؛ بأن الهاء كلمةٌ وليست حرفًا، أمدحه أمدح، والهاء هذه؟ أمدح فعل وفاعل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نضب مفعول به، إذن: هو كلمة وليس حرفًا، فكيف تقولون: إن التنافر هنا تنافر بين الحروف، ثم هذا مردّه إلى فصاحة المفرد لا إلى فصاحة ... ؟ الجواب: أن يقال: إن التنافر هنا ليس بين ذات الحروف، وإنما لاجتماع الكلمتين وتكرارهما،"أمدحه أمدحه".
وذو تنافر أتى كالنصر كليس قرب قبر حرب قبر
كذاك أمدحه الذي تكررا ..
إذن: الثقل هنا حصل ليس من اجتماع الحاء مع الهاء لوجوده في القرآن، وكل كلمة وُجِدت في القرآن فهي فصيحة، فحينئذٍ وجود: (( فَسَبِّحْهُ ) ) [ق:40] دل على أن اجتماع الحاء مع الهاء ليس مُخلًا بفصاحتها، إذن: من أين جاء الثقل؟ من تكرار الكلمتين:
كذاك أمدحه الذي تكرّرا
هكذا قال السيوطي تبعًا للخفاجي وغيره: أن التكرار في هذا البيت هو الذي سبَّبَ ثِقلًا في اللسان.
إذن نقول: تنافر الكلم المراد به أن يكون بين الكلمتين تنافر مع فصاحتهما، وهذا له درجة عليا مثل البيت بيت الجن، والذي هو دونه مثل: كريم متى أمدحه أمدحه.