فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 828

(ومَعْ تنافي طَرَفَيْها تَنتَمي) ، (تَنتَمي) : هذا مدخول الواو، وتنتمي هي، يعني: الاستعارة، و (تَنتَمي) يعني: تنتسب، (مَعْ تنافي) هذا مُتعلِّق بقوله (تَنتَمي) تنتسب مع تنافي، (إلى العِنَادِ) مُتعلِّقٌ بـ: (تَنتَمي) ، ولو شئت أن تَجعل (مَعْ تنافي) حال لا بأس، حال كونها مع تنافٍ إلى العناد، هذا جائزٌ.

(ومَعْ تَنَافي) يُقال: تنافت الآراء والأحكام مثلًا: تعارضت وتباينت، حينئذٍ حصل تعارض وتنافي وتباين بين طرفين: المستعار منه والمستعار له، تنتمي إلى ماذا .. تنتسب إلى أي شيء؟ قال: (إلى العِنَادِ) ، يُقال: عاند فلان معاندةً وعنادًا استكبر وتجاوز الحَدَّ في العصيان، وعاند فلانٌ فلانًا خَالَفَه وعارضه فيما يفعل، وهذا المراد هنا، وقع تعارض وتنافي بين الأمرين.

إذًا (تَنتَمي إلى العِنَادِ) أي: تنتسب إليه، فتُسمَّى عنادية .. تأتي بياء النسبة، لأن (تَنتَمي) المراد بها النسبة، لتعاند أي: تنافي طرفيها، فلا يَصِح كونهما وصفين لهم، (لا الوِفاقِ) يعني: لا تنتمي إلى الوفاق، وإنما تنتسب وتنتمي إليه عند صِحَّة اجتماع طرفيها في شيءٍ واحدٍ، فيقال فيها حينئذٍ: وفاقية، لتوافق طرفيها في صِحَّة الاجتماع.

(لا الوِفاقِ فاعْلَمِ) : الفاء هذه عاطفة، و (اعْلَمِ) هذا تتميم، أمرٌ بالعِلْم والإدراك لِمَا ذَكر، كأنه قال: فاعْلَم ما ذكرته لك من الضَّابِط السابق، وفي بعض النسخ:

وبِاعْتِبَار طَرَفَيْها تُقْسَمِ ... إلى العِنَادِ والوِفَاقِ فاعْلَمِ

ذكره المُحشِّي، وهذا واضح، أوضح من البيت الذي ذَكَره.

(ثُمَّ العنادِيَّةُ تَمْليحيَّةْ) ، (ثُمَّ) : للترتيب الذِكْرِي، بعد أن بيَّن لك العنادية، أراد أن بُيِّن أنَّ العنادية قد تكون تَملِيحيِّة، وسبق المراد بالتمليح الذي مَرَّ معنا هناك، تَمَلَّح فلان- بتقديم الميم - تَمَلَّح فلان: تَكلَّفَ الملاحة، يعني يقال: فلان يَتطرَّفْ ويَتملَّح، يعني: يكون ظريفًا، يأتي بشيءٍ من أجل أن يكون ظَريفًا: رأيت أسدًا، وهو يريد جبان، حينئذٍ تقول: قوله رأيت أسدًا، من باب الفكاهة والطرفة.

(ثمَّ العنادِيَّةُ تَمْلِيحيَّةْ) ، (تُلْفَى) يعني: توجد، (كَمَا تُلْفى) كما توجد، (تَهَكُّمِيَّة) تَهَكَّم به على غيره، وبه كذلك: استهزأ واستخَفَّ، يعني: (تَهَكُّمِيَّة) بمعنى: الاستهزاء والاستخفاف، كما مرَّ معنا فيما سبق، حينئذٍ تنقسم العنادية إلى قسمين، ظاهره الحَصْر وليس الأمر كذلك، بل قد تكون العنادية يُراد بها التمليح، ويراد بها التَّهكُّم، ولا يَلزَم ألا يُراد بها غير التَّهكُّم والتمليح.

العنادية قد يُراد بها التَّملِيح وقد يُراد التَّهكُّم، وليست محصورةً في هذين النوعين، بل قد تأتي العنادية لا للتمليح ولا للتَّهكُّم، كالآية السابقة: (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا ) ) [الأنعام:122] قلنا (مَيْتًا) هذه عنادية، لم يُرد بها لا التهكم ولا الاستخفاف، وحينئذٍ لا يكون الحصر هنا في النوعين، وإن كان ظاهر صنيع الناظم أنها محصورةٌ فيه وليس الأمر كذلك.

ثُمَّ العنادِيَّةُ تَمْلِيحيَّةْ ... تُلْفى كما تُلْفى تَهَكُّمِيَّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت