فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 828

(فَبَشِّرْهُمْ) الأصل فيه أنَّه الإخبار بالخير، (( مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) ) [النساء:165] متقابلان .. (( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) ) [النساء:165] إذًا: البشارة تُقابل النِّذارة والنِّذارة تقابل البشارة، (فَبَشِّرْهُمْ) الأصل للمؤمنين بالجنة (( وَأَنذِرْهُمْ ) ) [مريم:39] أي: الكافرين بالنار والعقاب في الدنيا والآخرة، لكن قال: (( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [آل عمران:21] هذا من باب التَّهكُّم.

إذًا: (ثمَّ العنادِيَّةُ تَمْلِيحيَّةْ تُلْفى) أي: توجد كما توجد تَهكُّميَّة، ولا يُفهم أنَّها مَحصورةٌ في هذين النوعين، بل قد تأتي للتَّمليح، وقد تأتي للتَّهكُّم، وقد تأتي لغيرهما.

وباعتبارِ جامِعٍ قريبَةْ ... كَـ"قَمَرٍ يَقرَأُ"أوْ غريبةْ

(قريب) ذات قرابة أو القُرْب، والقريب المراد به: الدَّاني، لأنه من قَرُبَ إذا دنى، القريب هو الدَّاني في المكان أو الزمان أو النَّسَب، و (غريب) الأصل أن يُقال: غَرُبَ عن الشيء غُربةً: ابتعد عنه فهو غريب، يُجمع على غرباء وغريبةْ ويُجمع على غرائب، وغَرُبَ الكلام غرابةً غَمَضَ وخَفي فهو غريبٌ.

(وباعتبارِ جامِعٍ) هذا القسمة الثانية، يعني: تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع .. بالنظر إلى الجامع، والمراد بالجامع: هو ما قُصِدَ اشتراك الطرفين فيه، يعني: وجه الشَبَّه، يُسمَّى وجه الشَبَّه في باب التَّشبِيه، ويُسمَّى هنا جامع هو عَيْنُه، حينئذٍ وجه الشَّبَه هو الجامع هنا، ولذلك هي مبنية على التَّشْبِيه أولًا.

إذًَا: تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع، وهو ما قُصِدَ اشتراك الطَّرفين فيه ويُسمَّى في التشبيه وجهًا، وفي الاستعارة جامعًا، فتنقسم باعتباره قسمين، عَبَّر هنا بالقريبة والغريبة، وعَبَّر هناك في (عقود الجمان) بالخَاصِيَّة والعَاميَّة، خَاصِيَّة: نسبةً إلى الخاص، والعَاميَّة: نسبةً إلى العام، بِمعنى: أنَّ الجامع إذا كان أمرًا ظاهرًا يدركه الجميع فهي قريبة .. ظاهرة .. بارزة، الكل يَفْهمُها، وإن احتاجت إلى ذكاء وفطنة وتأمل وبَحث فهي غريبة لبعدها، لأنها مِمَّا خَفِي، ولذلك قلنا: غَرُبَ الكلام غرابةً غَمَضَ وخَفي، إذًا: فيه شيءٌ من الخفاء.

إذًا: قد يكون الجامع الذي قُصِد اشتراك الطرفين فيه ظاهرًا، فيدركه كل أحد، وقد يكون فيه شيءٌ من الخفاء يحتاج إلى تأمل، كالشأن في وجه الشَبَّه هناك.

وهي تنقسم باعتباره قسمين خَاصِيَّة وعَاميَّة، فإن خَفِي الجامع بِحيث لا يطَّلع عليه إلا الخَاصَّة الذين أوتوا أذهانًا وقَّادَة وطباعًا نَقَّادة فهي خَاصِيَّة غريبة قريبة لأنها تحتاج إلى تأمل وتحتاج إلى ذهن وقَّاد، فهذا المعنى المشترك بين الطرفين الذي قُصِد به الاشتراك بين الطرفين المستعار منه والمستعار له خفي دقيق لا يفهمه إلا الخاصَّة، ولذلك هي غريبة لأن فيها بعدًا وخفاءً، كقول الشاعر:

وإِذا احْتَبى قَرْبوسُه بعنانِهِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت