قال في الحاشية هناك بعد أن أورد هذا الكلام:"والتشبيه على الثاني أتَمّ، لأن القَرَبوس أعلى، وكذا الركبتان والفَمَ أسفل، وكذا موضع ما يحتبى به من الظهر، على كلٍ: المراد به التشبيه وهو فيه شيءٌ من البعد، هذا إن خفي الجامع، وإن ظهر الجامع بِحيث يَطَّلع عليه كل أحد فهي عامية مُبتذلة إلى العامة لتداولهم إياها وهي المبتذلة، وتسمى القريبة لقرب جامعها من الذهن بسبب ظهوره، نحو: رأيت أسدًا يرمي، فإن الكل يعلم أنَّ المراد هنا الجامع هو الشجاعة، كل أحدٍ يعلم أن الجامع هنا هو الشجاعة."
ومنه مثال الناظم: رأيت قمرًا يقرأ، القمر في لغة العرب وضِعَ للجُرم المعهود، حينئذٍ أطلقه على من اتَّصَف بِجمالٍ تام، (قمر) وجه الشَّبَه واضح، حينئذ كل من يسمع هذا المثال: رأيت قمرًا يقرأ أو يمشي، عَلِم أن هذا القمر جميل، والجمال فيه تامٌ، ووجه الشَّبَه واضحٌ بيِّن، وهي مقبولة عندهم.
إذًا:
وباعتبارِ جامِعٍ قريبَةْ ... كَقَمَرٍ. . . . . . . . . . . . .
يعني كقولك: قمرٍ يقرأ، أو: رأيت قمرًا يقرأ، أو النوع الثاني: (قريبَةْ) .
وتنقسم الاستعارة أيضًا باعتبار الثلاثة الأمور .. باعتبار الجامع والطرفين:
وباعتبارِ جامِعٍ وطَرَفَيْنْ ... عَقْلًا وحِسًّا سِتَّةٌ بِغَيْرِ مَيْنْ
(باعتبار) تَقدَّم نظير إعرابه حال من المبتدأ المحذوف، (سِتَّةٌ) هي ستةٌ، (سِتَّةٌ) هذا خبر لمبتدأ محذوف، وهي أي: الاستعارة (سِتَّةٌ) أي: ستة أقسامٍ، (بِاعتبارِ) أي: حالة كون هذا التقسيم (بِاعتبارِ جامِعٍ وطَرَفَيْنْ) ، حينئذٍ صار مُتعلِّقًا بمحذوف حالًا من المبتدأ على رأي سيبويه.
(وباعتبارِ جامِعٍ وطَرَفَيْنْ) هذه ثلاثة أشياء، باعتبار الطرفين عَرَفْنَا: عنادية ووفاقية، وأضف إليها الجامع، حينئذٍ تقسيمٌ ثالث، يعني: بالنَّظر إلى هذه الثلاثة الأمور تنقسم إلى ستة أقسام.
(وباعتبارِ جامِعٍ وطَرَفَيْنْ) المستعار منه والمستعار له، مع الجامع هذه ثلاثة، قال: (سِتَّةٌ) ، (عَقْلًا وحِسًّا) أي: عقليةً وحِسِيَّة، فالمراد منهما المعنى المصدري، وهما تمييزان مُحوَّلان عن المضاف إليه، أي: باعتبار عقليَّة الطرفين والجامع، وباعتبار عقليَّة الطرفين أو حسيَّة الطرفين، (عَقْلًا) أي: باعتبار عَقليَّة الطرفين، (حِسًّا) باعتبار حِسيَّة الطرفين، والجامع فيه تفصيل سيأتي.
(بِغَيْرِ مَيْنْ) ، (الميْن) هو الكذب، هذا من باب التتميم.
إذًا: الأقسام ستة، تنقسم باعتبار الأمور الثلاثة بالنظر إلى الجامع والطرفين إلى ستة أقسام، لماذا هذه القسمة السداسية؟ قالوا: فيه طريقان - يعني: في ذكرها:
الأول: لأن المستعار منه والمستعار له: إمَّا حِسيَّان أو عَقليَّان، أو المستعار منه حِسي، والمستعار له عقلي، أو بالعكس؟؟؟ هذه أربعة، والجامع في الثلاثة الأخيرة لا يكون إلا عَقليًَّا، ما هي الثلاثة الأخيرة؟ أن يكونا عقليين، هذه صورة .. أن يكون الأول عقلي والثاني حسي .. أن يكون الأول حسي والثاني عقلي، ثلاث صور، هذه لا يكون فيها الجامع إلا عقليًَّا.
بقي حسيَّان: إذا كان الطرفان حسيين، حينئذٍ الجامع إمَّا أن يكون حِسيًَّا، وإمَّا أن يكون عقليًَّا، وإمَّا أن يكونا مُختلفًا، ثلاث وثلاث سِت.