حينئذٍ المُشبَّه به ما هو؟ الغائية، ولذلك قال هنا: شَبَّه ترتب العداوة بالعِلَّة الغائية، فجُعلت هي أصل وذاك فرع، فعندنا لامان: لام للتَّعليل وهي غائية، ولامٌ صَيرورة، شُبِّهَت الأولى بالثانية باعتبار المتَعلَّق.
وكما سبق: أنَّ المراد بِمتعلَّق الحرف ما يُعبَّر به عنه عند تفسير معناه، مثل قولنا: معنى من ابتداء الغاية إلى آخره، فهذه ليست معاني هذه الأحرف وإلا لَمَا كانت حرفًا بل كانت اسْمًا، لدلالته على معاني مستقلةٍ بالمفهوميَّة، لأن الاسمية والحرفية إنما هي باعتبار المعنى، وإنما هي مُتعلَّقات معانيها، أي: إذا أفادت هذه الأحرف معاني، ترجع تلك المعاني إلى هذه بنوع استلزامٍ، بِمعنى: أنَّ الحرف لا يدلُّ على معنىً بذاته، لا مُستقلًا بالمفهوميَّة ولا بعض المعنى، وهذا مَحل إشكال.
فحينئذٍ على المشهور أنها دَلَّت على هذه المتعلَّقات بنوع استلزامٍ، يعني: لا بذاتها، الاستلزام: ما دَلَّ خارجٍ، إذًا: معنى الابتداء خارجٌ عن (من) ، وأمَّا لفظ (من) لا يدلُّ على معنىً أصلًا، فهو مُجرَّد عن المعنى من كل وجه، ولكن دلَّ على معنى الابتداء والتبعيض إلى آخره بنوع استلزام. وهو أنَّ الحرف عند ذكر ما يَتعلَّق به من الأسماء والأفعال يلزمه ذلك المفهوم لا أنَّه يدلُّ عليها مطابقةً، والمثال المشهور للاستعارة التَبعيَّة الواقعة في الفعل قوله: نَطَقَت الحالُ بكذا، ومنه مثال المصَنِّف الآتي ذكره.
فنقول: لَمَّا كان الغَرَض التَّشْبِيه لدلالة الحال على أمرٍ بالنُّطق، بِجعل دلالة الحال مُشبَّهًا ونُطق النَّاطق مُشبَّهًا به، الحال يعني: الوصف .. حال الشَّخْص .. ما يُعبَّر عنه بلسان الحال، حاله له دلالة، أراد أن يُشبِّه هذه الدلالة -دلالة الحال- بِمن يتكلَّم كأنها تكلَّمَت بكذا، حينئذٍ ماذا صَنَع؟ جعل دلالة الحال مُشبَّهًا ونطق النَّاطق مُشبَّهًا به، والجامع إيضاح المعنى وإيصاله إلى الذهن، فنطق النَّاطق يوصل المعنى، وكذلك الحال .. دلالة الحال يوصل إلى المعنى، هذا الجامع: الإيضاح.
فحينئذٍ ماذا صنَعنَا؟ شبَّهنا دلالة الحال بنطق النَّاطق، ثُمَّ استعيِر للدلالة لفظ النُّطق، يعني: عُبِّر عن الدلالة بلفظ النُّطق، ثُمَّ اشتُقَّ من النُّطق المستعار للفعل، ماذا؟ اشتُقَّ فعلٌ، الحال .. تَنطِق الحال بكذا، أو: نَطقَت الحال بكذا، فاشتُقَّ من المصدر الذي هو النُّطق (نَطَقَ) فتكون الاستعارة في المصدر أصالةً، وفي الفعل تَبعًا.
(كـ"حالِ الصّوفيْ يَنطِقُ) مثله، جَرَت أولًا في المصدر الذي هو النُّطق .. نُطْق النَّاطق، ثُمَّ بعد ذلك اشتُقَّ من المصدر (يَنطِق) ، (كـ"حالِ الصّوفيْ يَنطِقُ أنَّهُ المنيبُ) يعني: بأنَّه (المنيبُ المُوفيْ) ، (المُنيبُ) أي: الرَّاجِع من الإنابة، الإنابة فيها معنى الرُّجوع، الرَّاجع إلى الله تعالى عن كل ما يُفرِّقه عنه من شهوات النفوس، و (المُوفيْ) أصله من: أوفى، و (المُوفيْ) هذا اسم فاعل: أوفى .. أوفى بالوعد والعهد، يعني (وفى) بِمعنى: أتَمَّ، و (المُوفيْ) يعني: بحقوق التَّكْلِيف المؤدي للعهد الذي أُخذ عليه بأن يتَّبِع أمر مولاه ما استطاع، كذا في الحاشية.
إذًا: