كـ"حالِ الصّوفيْ ... يَنطِقُ أنَّهُ المنيبُ المُوفيْ"
(يَنطِقُ) يعني: حال الصوفي، يعني: دلالة الصوفي، حاله ينطق أنه هو الذي وفَّى بِمَا أمره الله عز وجل.
ومثال الوصف المشهور: الحال ناطقةٌ بكذا .. (ناطقة) .. والقول كسابقه وهو الفعل، فالتَّشْبِيه فيه للنُّطق أولًا، لجعل دلالة الحال مُشبَّهًا، ونطق النَّاطق مُشبَّهًا به، ووجه التَّشْبِيه إيضاح المعنى وإيصاله للذِّهن، ثُمَّ استعير للدلالة لفظ النطق، ثُمَّ اشتُقَّ من النُّطق المستعار الوصف الذي هو ناطق، والاستعارة في المصدر أصلية، وفي الوصف تَبعيَّة.
إذًا:
واللّفظُ إِن جِنْسًا فَقُلْ أَصْلِيَّةْ ... وَتَبعيَّة لَدى الوَصْفِيَّةْ
يعني: وقل هو استعارة تَبعيَّة، (لَدى) بِمعنى: عند، (لَدى الوَصْفِيَّةْ) يعني: عند وجود الوصْفيَّة فيه، (الوَصْفِيَّةْ) نسبة إلى الوصف، وهذا قوله (الوَصْفِيَّةْ) دلَّ على أنَّ المراد بقوله (إن جِنْسًا) الجامد؛ لأن الجنس يصدق على المشتق كذلك، (والفِعْلِ) هذا معطوف على (الوَصْفِيَّةْ) يعني: لدى الفعل، (والحَرفِ) أي: لدى الحرف، معطوفٌ على (الوَصْفِيَّةْ) ، كأنه قال: لدى الوصفيَّة والفعليَّة والحرفيَّة، أي: كون اللفظ فعلًا أو حرفًا.
كقولك: (حالُ الصّوفيْ يَنطِقُ) ، (حَالُ) : مبتدأ وهذا أحسن .. الرفع، والكاف داخلة على محذوف، يعني: كقولك أنت في المثال: (حالُ الصّوفيْ يَنطِقُ) هذا خبر، ينطق بماذا؟ (يَنطِقُ أنَّهُ) بأنَّه .. على إسقاط الحرف وهو قياسي، يعني: الصُّوفي المُنيب المُوفِي.
إذًا: عندنا استعارة أصلية واستعارة تَبعيَّة، والأصلية والتَبعيَّة متقابلتان.
ثُمَّ قال:
وأُطلِقَتْ وَهْيَ التي لم تقتَرِنْ ... بِوَصْفٍ اوْ تَفريعِ أمْرٍ فاسْتَبِنْ
وجُرِّدَتْ بلائقٍ بالفَصْلِ ... ورُشِّحَتْ بلائِقٍ بالأَصْلِ
نَحْوُ"ارْتَقى إلى سماء القُدْسِ ... ففاقَ مَنْ خَلَّفَ أرضَ الحسِّ"
وتنقسم الاستعارة باعتبارٍ آخر غير الطَّرفين والجامع واللفظ، وذلك باعتبار كونها مقرونةً بصفات أحد الطَّرفين أو غير مقرونٍة بِها، يعني: اعتبار ذكر ما يلائم الطَّرفين وعدمه، الطَّرفان: المستعار والمستعار منه، قد يوصفان وقد لا يوصفان، قد يأتي مُجرَّد المستعار دون أن يُقيَّد، وكذلك المستعار منه قد يأتي مُجرَّدًا غير مُقيَّد، هذا يُسمَّى مُطلقًا، وقد يُقيَّد المستعار منه دون المستعار وقد يكون بالعكس.
المراد هنا اللفظ عَينُه، هل وصف أم لا؟ والمراد بالوصف الصِّفة المعنوية ما هو أعمُّ من النعت عند النحاة، لأنه قد يأتي مُركَّبًا، وقد يأتي مفردًا، وهي بهذا الاعتبار .. اعتبار ذكر ما يلائم الطَّرفين وعدمه ثلاثة أقسام:
-مُطلَقة.
-ومُجرَّدة.
-ومرشَّحَة.
أشار إلى الأولى بقوله: (وأطلِقَتْ) هي، يُقال: أطلق الكلام .. لم يُقيِّده بِشرطٍ، (وأطلِقَتْ وَهْيَ التي لم تقتَرِنْ) ، (وأطلِقَتْ) أي: عن التقييد بِما يُلائم أحد الطَّرفين، وتُسمَّى حينئذٍ مُطلقةً موافقةً لهذا المعنى، إذًا: مطلقة، الاسم يدلُّ على مُسمَّاه، بِمعنى: أنَّه لم يُقيِّد فيها المستعار منه ولا المستعار له حينئذٍ صارت مُطلقةً.