فهرس الكتاب

الصفحة 611 من 828

(خَضَعَت) في بعض النُّسَخ، (غَمْرُ الرِّداءِ) (الرِّداءِ) هو المستعار له، و (غَمْرُ) أي: كثير، هذا وصفٌ للمستعار له، لأن الإضافة هنا تفيد الوصفيَّة، كثير العطاء، كأنه قال: عطاءٌ كثير. (غَمْرُ الرِّداءِ) أي: كثير العطاء، استعار الرداء للعطاء، لأنه يصون عِرض صاحبه كما يصون الرداء ما يُلقى عليه، ثُمَّ وصَفَه بالغَمْر الذي يناسب العطاء الذي هو الكثيرة تجريدًا للاستعارة، والقرينة ما بعده من سياق الكلام.

إذًا: (الرِّداءِ) هذا مستعارٌ له، ووصفه بقوله (غَمْرُ) حينئذٍ وُجِدَت المُجرَّدة، إذًا: المُجرَّدة هي ما اقترنت بِمَا يلائم المستعار له، تُسمَّى مُجرَّدة.

ثُمَّ قال: (ورُشِّحَتْ بلائِقٍ بالأَصْلِ) هذا أشار إلى النوع الثالث، وهي المرشَّحَة، (ورُشِّحَتْ) أي: الاستعارة، يُقال: رَشَّح فلانٌ فلانًا: هيئه وأهَّله، وتَرشَّح فلانٌ لكذا تأهَّل وتَهيأ وتَقوَّى، وفيه معنى التقوية، (ورُشِّحَتْ) أي: الاستعارة، أي: سُمِّيت بذلك، لأن الترشيح كما قال في المرشدي: هو التربية، ولا شَكَّ أنَّه - يعني: التَّرشيح هنا - إيراد ما يُلائم المستعار منه تقويةً لأمر الاستعارة وتربيةً للمبالغة، لُوحِظ فيه معنى التَّقوية وهو أولى.

(ورُشِّحَتْ بلائِقٍ) يعني: إن اقترنت بلائقٍ، يعني: بِملائمٍ، (وجُرِّدَتْ بلائقٍ) يعني: اقترنت بِلائقٍ، (ورُشِّحَتْ) كذلك نُقدِّر فيه ما قَدَّرنا في السابق .. إن اقترنت بلائقٍ، (بالأَصْلِ) الأصل هنا المراد به المستعار منه دون المستعار له، حينئذٍ تُسمَّى مُرشَّحةً مُطلقًا فقط، دون أن يُضَمَّ إليها معنى التَّجرِيد.

(ورُشِّحَتْ بلائِقٍ) أي: إن قرنت بِما يُلائم الأصل وهو المستعار منه من الصفات أو التفريعات، فالمرشَّحة هي التي قرنت بما يلائم المستعار منه، وذلك قوله تعالى: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) ) [البقرة:16] (اشْتَرَوُا) .. (رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) استُعِير الاشتراء للاستبدال والاختيار (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ) [البقرة:16] فيه استبدال، (( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) ) [البقرة:16] هذا تفريع حكمٍ، لأن التجارة والربح هنا على الشراء لا على الأصل الذي هو الاستبدال، حينئذٍ هذا مَثالٌ لِمَا تَرتَّب عليه حكمٌ، يعني: من أحكام اللفظ الذي جُعِل مُستعارًا.

استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثُمَّ فَرَّع عليها ما يُلائم الاشتراء من الرِّبح والتِّجارة، إذًا: (ورُشِّحَتْ) إنْ اقترَنَت بلائقٍ، أي: موافقٍ بالأصل، يعني: المستعار منه، الأصل: المستعار منه، والفصل: هو المستعار له.

ثُمَّ مَثَّل لذلك بقوله: (نَحْوُ ارْتَقى) المُصنِّف رحمه الله تعالى مُصِرْ على الأمثلة كلها صوفية! ونحن نشرحها ونأتي بأمثلة في الشَّرح.

نَحْوُ"ارْتَقى إلى سَمَاء القُدْسِ ... ففاقَ مَنْ خلَّفَ أرضَ الحسِّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت