فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 828

(ارْتَقى) بمعنى: صَعَدَ، فالارتقاء هو التَّصَعُّد من سُفْلٍ إلى عُلوٍ يُلائم السماء المستعار لحضرة القُدْس، (إلى سَمَاء) العلو، (سَمَاء القُدْسِ) هذا تقييد، (القُدْسِ) المراد به الحضرة، فالارتقاء هو التَّصَعُّد من سُفْلٍ إلى عُلوٍ يُلائم السماء المستعار لحضرة القُدْس، والقُدْس: هو عبارة عن إدراك نزاهة الرَّبِّ عن كل ما لا يليق، التقديس هو النزاهة، لكن لهم اصطلاح خاص فيه.

أو عن الاتصاف بالتَّقدِيس عن رُعُونَات النفوس والشَّهوات العَاجلة، قال هناك: ولا يَخفى ما في: ارتقى وفاق، من الأصلية والتَبعيَّة، الأصلية في المصدر وهو الارتقاء، والتَبعيَّة في الفعل وهو ارتقى. والتَّرشِيح حيث استعير الارتقاء لانتقال حال السَّالك من حالٍ إلى حالٍ أعلى منه، و (فاقَ) بمعنى: علا، وهو مِمَّا يُلائم المستعار منه.

وأمَّا بقية البيت (ففاقَ مَنْ خلَّفَ أرضَ الحسِّ) فهي استعارة مُجرَّدة حيث استعير الأرض للصِّفَات الدنيئة، والحس يلائمها لإدراكها به، إذًا:

نَحْوُ"ارْتَقى إلى سماء القُدْسِ ... ففاقَ مَنْ خلَّفَ أرضَ الحسِّ"

ارتقى إلى حَضْرَة المُكَوِّن من غاب عن الأكوان .. (مَنْ خلَّفَ أرضَ الحسِّ) يعني: جعلها وراءه، حينئذٍ (الحسّ) ما يُدْرَك بالحس، وقوله: (مَنْ خلَّفَ أرضَ) نقول: هذا فيه ترشيح، وقد يَجتمع التَّجرِيد والتَّرشِيح في كلامٍ واحد، يجتمعان - هذا واضح - إذا قُيِّد المستعار منه، وقُيِّد المستعار له، ولذلك جَعَلها بعضهم قسمًا رابعًا، كقوله:

لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاح مُقَذَّفٍ ... له لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لم تُقَلَّمِ

(شَاكِي) أي: تام، و (مُقَذَّفٍ) أي: مَرميٌ به كثيرًا في الحروب والوقائع فيكون تَجريدًا، وقوله: (شَاكِي السِّلاح) هذا تَجرِيد، لأنه وصفٌ ملائمٌ للمستعار له وهو الرجل الشُّجَاع، وقوله: (مُقَذَّفٍ) إلى آخره: تَرشيحٌ، لأن هذه الأوصاف تلائم المستعار منه وهو الأسد الحقيقي، (لِبَدٌ) هذا جَمعٌ واحده: الَّلبدة وهي الشعر المتراكب بين كتفي الأسد، لَبدةٌ هذا مفرد، و (لِبَدٌ) هذا جمعه، والمراد به الشعر المتراكب بين كتفي الأسد.

ثُمَّ قال:

وَأبْلَغُها التّرشيحُ لابتنائِهِ ... عَلَى تَنَاسي الشَّبْهِ وانتِفائِهِ

عرفنا أنَّ الاستعارة ثلاثة أنواع: مُطلقة ومُجرَّدة ومُرشَّحة، أيُّ الأنواع الثلاث أبلغ؟ قال: أبلغها الترشيح، أي: أبلغ هذه الثلاثة: ترشيحٌ، أي: أنَّ التَّرشيح أبلغ من الإطلاق والتجريد، ومن جمع التجريد والترشيح معًا لاشتماله على تحقيق المبالغة في التَّشْبِيه، يعني: الترشيح فيه تحقيق المبالغة في التَّشْبِيه، لأن في الاستعارة مبالغة ليست في التَّشْبِيه، لأنها تَشبِيهٌ وزيادة، وقد عرفنا فيما سبق: أنَّ الأركان الثلاثة مبنيةٌ على المبالغة، فترشيحها بِما يُلائم المستعار منه تحقيقٌ لذلك وتقوية له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت