والتَّجرِيد أبلغ من الإطلاق لأن فيها مبالغةً من جهة زيادة التَّصوير، وهو وإن كان بليغًا لكونه جامعًا بين فضيلة النَّوعين: التَّشْبِيه والاستعارة، لكنَّه اعترافٌ بالتَّشْبِيه بِخلاف التَّرشِيح، فإنَّه مبنيٌ على تناسي التَّشْبِيه، بِمعنى: أنَّ المُجرَّدة وكذلك المطلقة يُلاحَظ فيه التَّشْبِيه، فهو تَشْبِيه وزيادة، وأمَّا المُرشَّحة فإنها مبنية على تناسي التَّشْبِيه، يعني: كأن لم يكن تشبيه أصلًا، وهو الذي نَصَّ عليه النَّاظم.
إذًا: لكنَّه اعترافٌ بالتَّشْبِيه بِخلاف التَّرشيح فإنَّه مبنيٌ على تناسي التَّشْبِيه والإطلاق العاري عن صفات أحد الطَّرفَين عارٍ عن حُسن الاستعارة، يعني: ليس فيها شيءٌ من الحسن - هذه المطلقة - فالتَّرشيح أبلغ منهما والتَّجريد أبلغ من الإطلاق، هكذا على الترتيب: التَّرشِيح، ثُمَّ المُجرَّدة .. تَجريد، ثُمَّ الإطلاق، وبعضهم يُقدِّم المُطلقة على المُجرَّدة، لكن المُجرَّدة مُقدَّمة على المُطلقة.
فقوله: (أبْلَغُها التّرشيحُ) أي: أبلغ الأمور الثلاثة المأخوذ منها أقسام الاستعارة، أي: أقوى في البلاغة وأنسب بِمقتضى الحال، يعني: حال الاستعارة، وهو حال إيراد المبالغة في التَّشْبِيه لأنه يُقويها، وليس المراد أنَّه أقوى في المبالغة في التَّشْبِيه لأنه مُفَادٌ لإفادة حقيقته، فلا حاجة لذكره، بِمعنى: أنَّ التَّشْبِيه مأخوذ من مفهوم الاستعارة من حيث هي، وأمَّا المبالغة فهو الذي دَلَّ عليه التَّرشيح.
(لابتنائِهِ عَلَى تَنَاسي الشَّبْهِ) ابتناء، يعني: بناء، (عَلَى تَنَاسي) على إظهار نسيانه، وكأنه منسيٌ بالكليَّة، و (الشّبْهِ) بعضهم ضبطها: بالشِّبْه بالكسر، وهو ضربٌ من النحاس وليس مرادًا هنا، (الشِّبه) غلط، و (الشَّبْهِ) هو المراد هنا، بفتح الشين مُشدَّدةً وسكون الباء ضرورةً بمعنى: المشابهة، لأن: الشِّبْه والشَّبْه، لغتان بِمعنىً، يُقال: هذا شِبْهه، أي: شبيهه، وبينهما شَبَه بالتَّحرِيك وهو المراد هنا، حينئذٍ الباء مُحرَّكة في الأصل، فسكَّنَها من أجل الضرورة.
(وانتِفائِهِ) أي: دعوى انتفائه، والعطف من عطف اللازم على الظاهر، يعني: إذا تُنُوسي الشيء حينئذٍ نُفِي، هذا الأصل، فهو لازمٌ له.
(عَلَى تَنَاسي الشَّبْهِ) بالفتح، والمراد: على شِدَّة تناسيه وإلا فأصل الاستعارة مبنيٌ على تناسيه أيضًا.
لَمَّا ذَكَر أن الاستعارة قد تكون مُرشَّحةً، وكان التَّرشيح مُقتضيًا لكون المراد من المستعار هو المُشبَّه به لا المُشبَّه، يعني: المرشَّحَة قيد لأي شيء؟ للمُشبَّه به، والاستعارة قائمة على المُشبَّه، إذًا: قد يظن الظآن أنَّ بينهما تنافي .. بين الاستعارة والمرشَّحة، لأن المرشَّحة النظر يكون للمستعار منه .. المُشبَّه به، والاستعارة قائمة على النظر إلى المُشبَّه.