أوَّلًا: أنَّ (لا) هذه نافية وليست جازمة، إذ لو كانت جازمةً لقال (لا تُهِنْ) لكنَّه قال (لا تُهين) ، ثُمَّ حَرَّكَ النُّون بالفتح، حينئذٍ يكون الفعل مقرونًا بنون التَّوكيد الخفيفة لكنها مَحذوفة، إذًا: قد تُحْذَف نون التَّوكيد، وقد تُبْدَل في الوقف ألفًا: لَمْ يُذْكَرًَا هذا الأصل، وإن كان هذا على قِلَّة، لكنَّه يوجِّه التَّركيب على هذا الوجه، (يُذْكَرَا) فالألف هذه بدلٌ عن نون التَّوكيد الخفيفة.
والألف في (يُذْكَرَا) هي نون التَّوكيد الخفيفة، قُلِبت ألفًا في الوقف و (مَا) موصولة، والمعنى: أنَّه لم يُذْكَر شيءٌ من أركان التَّشبيه سوى المشبَّه، فقوله: (سِوَى) هذا متعلِّق بقوله: (يُذْكَر) .
سَبَق أنَّ المشبَّه به لا يُحذف في التَّشبيه، ولا يُنافي هذا ما تَقدَّم في التَّشبيه من أنَّ ذكر المشبَّه به واجبٌ البتَّة - لا يَجوز حذفه .. سبق تقريره - فإنَّ ذلك إنَّما هو في التَّشبيه المصطلح .. التشبيه الاصطلاحي، وهنا يُراعى التَّشبيه الاصطلاحي لا من حيث النُّطق، وإنَّما من حيث النِّيَّة فقط فيفترقان، فيُراعى أولًا الاصطلاحي، لكنَّه يُشْتَرط فيه ما ذُكِر من الشُّروط السَّابقة فيما إذا كان مذكورًا.
وأمَّا إذا كان مطويًَّا ولم يُعَرَّج عليه إلا من جهة الإضمار والنِّيَّة فحينئذٍ لا، فإنَّ ذلك إنَّما هو بالتَّشبيه المصطلح، وقد سبق أنَّ المراد به: غير الاستعارة بالكناية، إذًا:
وَحَيْثُ تَشْبِيِهٌ بِنَفْسٍ أُضْمِرَا ..
يعني: التَّشبيه بأركانه.
وَمَا سِوَى مُشَبَّهٍ لَمْ يُذْكَرَا ..
يعني: لم يُذْكَر سوى المشبَّه هو الَّذي لُفِظَ به، وحين إذ كان التَّشبيه بالكناية مُضْمَرًا في النَّفس، ما الذي يدلُّنا عليه أنَّه مضمر في النَّفس؟ لا بُدَّ من قرينة، ولذلك قال: (وَدَلَّ لاَزِمٌ) .. لا بد من قرينة، واللازم تعبيرٌ عن القرينة؛ لأنَّه لَمَّا قال (أُضْمِرَا) والمذكور مُشبَّه، ما الَّذي دلَّنا على أنَّ المذكور هو المشبَّه؟ لا بُدَّ من قرينةٍ تدلُّ على أنَّ ثَمَّ تشبيهًا قد أُضْمِرَ في القلب والنِّيَّة، حينئذٍ نَحتاج إلى قرينة لفظيَّة.
فلا بُدَّ من شيءٍ يدلُّ عليه، فلذا قال:
وَدَلَّ لاَزِمٌ لِمَا شُبِّهَ بِهْ ..
إذًا: المشبَّه به محذوف، لكن لا بُدَّ أن يُذْكَر في اللفظ ليس المشبَّه به وإنَّما لازمٌ من لوازمه، يعني: شيءٌ يُخْتَصُّ به، إذا أُطْلِق انصرف إلى المشبَّه به، وهذا المراد باللازم، والجملة هنا (وَدَلَّ) معطوفٌ على قوله (وَمَا سِوَى) لأنَّه داخلٌ في الحدِّ.
وَحَيْثُ تَشْبِيِهٌ بِنَفْسٍ أُضْمِرَا ... وَمَا سِوَى مُشَبَّهٍ لَمْ يُذْكَرَا
وَدَلّ لاَزِمٌ. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .
وَدَلّ لاَزِمٌ معطوفٌ على قوله (وما) .
(ودَلَّ لازِمٌ) أي: مذكورٌ (لِمَا شُبِّهَ بِهْ) ، (لِمَا) جار مجرور مُتعلِّق بقوله (لازِم) لأنَّه اسم فاعل، أي: لازمٍ مذكورٍ للمشبَّه به، (وما) هنا بِمعنى اسم الموصول، فحينئذٍ يكون مُتعلِّقًا بما بعده، حينئذٍ (لِمَا شُبِّهَ بِهْ) أي: للمشبَّه به، ومراده هنا: أن يُذْكَر لازمٌ للمشبَّه به الَّذي (أُضْمِرَ) في النَّفس.