فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 828

وفي شَرح (الْعُقود) للسِّيوطي رحمه الله قال:"أن تذكر أَحَدَ طرفي التَّشبيه وتُرِيد به الآخر المتروك"انظر! أحد طرفي التَّشبيه، ليس خاصًا بالمشبَّه أو بالمشبَّه به، يَحتمل هذا ويَحتمل ذاك، هذا عند السَّكاكي، حينئذٍ مذهبه أعم من مذهب الجمهور، لأنَّ مذهب الجمهور: ذكر المشبَّه، على أنَّه فردٌ من أفراد المشبَّه به فاسْتُعْمِل في غير ما وُضِع له، مع حذف المشبَّه به وذكر لازمٍ له، عند السَّكاكي: لا .. أن تذكر أَحَدَ الطَّرفين وتَحذف الآخر.

أن تذكر أَحَدَ طرفي التَّشبيه وتريد به الآخر المتروك مُدَّعيًا دخول المشبَّه به في جنس المشبَّه كما تقول: في الحَمَّام أسدٌ، وأنت تريد الرَّجل الشُّجاع مدَّعيًا أنَّه من جنس الأسود، فَتُثْبِت له ما يَخص المشبَّه به وهو اسم جنسه، وكما تقول: (أَنْشَبَت المَنِيَّةُ أَظْفَارَهَا) تُرِيد بالمنيَّة: السَّبُع، بادِّعاء السَّبُعيَّة لها فتثبت لها ما يُخص السَّبُع المشبَّه به وهو الأظفار، وتُسمِّي المشبَّه به مذكورًا أو متروكًا مستعارًا منه، واسم المشبَّه به مستعارًا، والمشبه مستعارًا له.

قال التفتزاني -وهو يحتاج إلى تأمل-:"وهو دالٌّ - يعني: كلام السَّكاكي - دالٌّ على أنَّ المستعار منه في الاستعارة بالكناية هو السَّبُع المتروك، والمستعار هو لفظ السَّبُع، والمستعار له المنيَّة، وكلامه يُنافي جميع ذلك، ففي الجملة فقد وقع منه على زعم القوم خَبْطٌ في تحقيق الاستعارة بالكناية".

على كلٍّ مذهب المتقدمين هو المُرَجَّحْ عند أكثر البيانيين، خلافًا لِمَا ذهب إليه الخطيب القزويني في (التَّلْخِيص) وفي (الإيضاح) من كون كلٍّ منهما .. المشبَّه اسْتُعمل في معناه الحقيقي، والمشبَّه به استعمل في معناه الحقيقي، وعند الجمهور: المشبه لم يستعمل في معناه اللغوي، وإنَّما طُبِّقَ أولًا: حدُّ المجاز، ثُمَّ بعد ذلك جاءت البقية.

إذًا:

يُعْرَفُ باسْتِعارَةِ الكِنايةِ ... وذِكْرُ لازِمٍ بتخييليَّةِ

أي يُسمَّى: استعارةً تَخييليَّة.

كأَنْشَبَتْ مَنِيَّةٌ أَظْفارَها ... وأَشْرَقَتْ حَضْرَتُنا أنوارَها

وذِكْرُ لاَزِمٍ بتخييليَّةِ ..

قيل: أمَّا تسمية ذكر الَّلازم (استعارة) فلأنَّ ذلك الَّلازم استعير، أي: نُقِل من المشبَّه به وَجُعِل متعلِّقًا بالمشبَّه، وأمَّا تسميته: تَخييليَّة فلأنَّ المتكلِّم خَيَّل به للسَّامع كون المشبَّه نفس المشبَّه به، وهذا ذكرنا فيه نظر من حيث هذه التَّسمية لأنه جرى على مذهب الخطيب.

ثُمَّ قال:

(فَصْلٌ: في تَحْسِين الاسْتِعارة)

بعدما انتهى من الكلام على أنوع الاستعارات، أراد أن يُبَيِّن أن الاستعارة على مرتبتين:

-منها ما هو محسَّنٌ بمعنى: أنَّه بلغ الغاية في الحسن.

-ومنها ما هو قبيح، وهذا باختصار أن يُقال: الاستعارة مبنيَّة على التَّشبِيه، وسبق أنَّ التَّشبِيه درجات: منه الحسن، ومنه القبيح، وبينهما مراتب.

حينئذٍ الاستعارة المبنيَّة على التَّشبِيه الذي بلغ الحُسن غايته حينئذٍ صارت الاستعارة مُحسَّنة، والاستعارة المبنيَّة على التَّشبِيه المبتذل القبيح حينئذٍ الاستعارة هذه قبيحة، فالنَّظر هنا باعتبار التَّشبِيه، لأنَّ التَّشبِيه مراتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت