إذًا: (بِرَعْيِ) يعني: أن يرعى فيها المستعير الحسن الذي في وجه الشَّبَه للتَّشبِيه، يعني: يُراعي وجه الشَّبه، لأنَّ وجه الشَّبه قد يكون غريبًا، وقد يكون قريبًا، وقد يكون مبذولًا مبتذلًا، وقد يكون بعيدًا، وقد لا يدركه إلا الأذكياء، كما سبق معنا.
حينئذٍ مبنى التَّشبِيه هنا على وجه الشَّبه، فنحكم على التَّشبيه من كونه حسنًا أو قبيحًا، وحينئذٍ قال (بِرَعْيِ) يعني: بمراعاة وملاحظة (وَجْهِ الحُسْنِ للتّشبيهِ) لأنَّ التَّشبيه إنَّما يكون في مقامٍ عالٍ إذا كان وجه الشَّبَه عاليًا وإذا نَزَلَ نَزَلْ.
أن يرعى فيها المستعير الحسن الذي في وجه الشَّبه للتَّشبِيه .. (وَجْهِ الحُسْنِ للتّشبيهِ) وهذا حالٌ من (وَجْهِ) ، فإن كان التَّشبيه المضْمر بِحيث يستحسنه البلغاء ويتلقَّاه بالقبول العقلاء، وذلك لاشتماله على جهات الحسن، من كون شُمول وجه الشَّبه للطَّرفين، أو التَّشبيه وافيًا في إفادة الغرض، وكونه كثير التفصيل .. سليمًا من الابتذال، إلى غير ذلك مما ذُكر في باب التشبيه حَسُنَت الاستعارة.
سبق أنَّ التَّشبِيه له أغراض، فإذا كَمُل الغرض حينئذٍ حسنت الاستعارة، وإذا كَثُر التفصيل حسنت الاستعارة، وإذا كان وجه الشَّبَه مبذولًا، يعني: ساقطًا الكل يدركه، صارت الاستعارة مبذولةً.
حسُنَت الاستعارة التي تَضمَّنت ذلك التَّشبيه المستحسن كما يَحسُن تشبيهها، وإن كان التَّشبِيه المضمَّن قريبًا مبتذلًا بحيث لا تَستَحْسنه العقول ولا تتلقَّاه بالقبول، لعدم اشتماله على الجهات المذكورة، واشتماله على أضْدَادها لم تحسُن الاستعارة التي تضمَّنته كتشبيهها، وكذا التَّمثيل مبنيٌّ على التَّشبيه إذ هو لفظٌ مركَّبٌ اسْتُعمل في معنىً يُشبَّه ذلك المعنى بالمعنى الأصلي لذلك اللفظ المركَّب.
والحاصل: أنَّ مبناهم على التَّشبيه فيتبعانه بالحسن والقُبْح، حينئذٍ الاستعارة المبنيَّة على التَّشبيه تتبع التَّشبيه في الحسن والقُبْح.
إذًا:
بِرَعْيِ وَجْهِ الحُسْنِ للتَّشْبِيهِ
(للتَّشْبِيهِ) جار ومَجرور متعلِّق بمحذوف حال من قوله: (وَجْهِ الحُسْنِ) .. من المضاف، إذًا: إذا لوحظ وروعي وجه الشَّبه حينئذٍ صارت الاستعارة مُحسَّنة، متى؟ إذا كان وجه الشَّبه حسنًا، والقاعدة: أنَّه متى ما كان التَّشبيه حسنًا كانت الاستعارة حسنةً، ومتى ما كان التَّشبِيه قبيحًا أو قريبًا منه كذلك الحكم في الاستعارة.
والبُعْدِ عَنْ رائحَةِ التّشبيهِ في ... لَفظٍ. . . . . . . . . . . . .
أي: ومن شروط حسن الاستعارة التَّحقيقيَّة والتَّمثيل: ألا يُشَمَّ رائحة التَّشبيه لفظًا، يعني: لا تدلُّ من جهة اللفظ على التَّشبيه، بِمعنى: أنَّه يُحْذَف المشبَّه به، وأداة التَّشبيه، ووجه الشَّبه، هذا المراد به من جهة اللفظ، وأمَّا إن ذُكِر شيءٌ من ذلك حينئذٍ فُهِم التَّشبيه من اللفظ فخرج عن كونه استعارة فيما يأتي.