قوله: (في لَفظٍ) أي: من جهة اللفظ، أي: لفظ المشبَّه أو الوجه، وأمَّا ذكر الأداة فهو تشبيه، يعني: نصًَّا صريحًا، (وليسَ الوَجهُ إلغَازًا قُفي) هذا عطفٌ على قوله (رَعْيِ) .. على الأول .. باعتبار المعنى: مراعاة، عطفٌ باعتبار معناه على (رَعْيِ) أي: وعدم كون الوجه (إلغازًا) أَلْغَزَ كَلامَه وفيه عَمَّ مُرَاده، وأضمره على خلاف ما أظهره، و (قُفي) بمعنى: تُبِعَ ذلك الشَّربط وعُمِل بِمقتضاه.
ومن شروط حسن الاستعارة: أن يكون الوجه جليًا واضحا بنفسه، أو بواسطة عُرْفٍ إمَّا عام وإمَّا خاص، ولا يكون الوجه كالإلغاز والتَّعمية في الخفاء، وهذا بعد مراعاة شرائط الحسن المتقدمة فيه، وإلا فيكون انتفاء الحسن فيها حينئذٍ من جهة عدم مراعاتها ويكفي ذلك في استهجانها ولو سلمت من الإلغاز، فكيف إذا ضُمَّت إليه.
حينئذٍ قوله: (وَليسَ الوَجهُ ألغازًا قُفي) بعد مراعاة الشرائط السابقة يعني: كون الوجه ليس مُلْغِزًا لا يلزم منه حسن الاستعارة، لأنَّها قد تفقد الشُّروط السابقة، إذًا: بعد تَحقُّقِ الشرط السابق يُنْظَر في الوجه.
ومعنى الإلغاز هنا: أنَّ قرينة المجاز إذا كانت ضعيفةً كان (إلغازًا) يعني: بعيدة، فإن كانت قوية كان غير (إلغازًا) وليس المراد ألا تكون للمجاز قرينة لا .. لأنَّه لو لم تكن قرينة لخرج عن كونه مَجازًا واستعارةً.
وليس المراد ألا تكون للمجاز قرينة فيخفى المراد منه، بل المراد ما ذكرناه من الضَّعف والقوة، وأمَّا بدون قرينة فلا يقع استعارةً ولا مَجازًا فلا يقال: رأيت أسدًا، وتريد أبْخر .. إنسانًا ذا بَخرِ، لأنَّهم لم يستعملوا الأسد في معنى الإنسان الأبْخر، وإنَّما استعملوا الأسد في معنى الرُّجل الشُّجاع، حينئذٍ صارت هذه القرينة بعيدة.
فلا يقال: رأيت أسدًا، وتريد إنسان أبْخَر، فإن وجه الشَّبه بين الطَّرفين هو البَخَر وهو خفيٌّ، إذ لم يُعْهَدْ عندهم تشبيه الإنسان الأبْخَر بالأسد، فتعيَّن حينئذٍ في مثله التَّشبيه ولا تَحسن الاستعارة، تقول: هذا كالأسد في بَخره ونحو ذلك، تأتي بالتَّشبيه، أمَّا كونه استعارة فلا.
وأمَّا الحسن في الاستعارة التَّخييليَّة .. هي تابعةٌ للمكنيَّة، حينئذٍ لا يُنْظَر إليها بذاتها، وإنَّما تكون تابعةً لغيرها. وأمَّا الحسن في الاستعارة التَّخييليَّة: فإنَّه بِحسب الحسن في الاستعارة المكنيَّة، لأنَّ المكنيَّة مبنيَّة على التَّشبيه، والتَّخيلية مبنيَّة على المكنيَّة فهي تابعةٌ لها، لأنَّها لا تكون إلا تابعةً لها، وليس لها في نفسها تشبيه، لأنَّ ذكر الَّلازم الأظفار هو الاستعارة التَّخييليَّة وليس فيه تشبيه، وإنَّما هي مبنيَّةً على استعارةٍ مبينة على تَشبِيه.
وليس لها في نفسها تشبيهٌ بل هي حقيقةٌ، فحسنها تابعٌ لحسن متبوعها، كما في قولهم: فُلانٌ بَيْنَ أَنْيَابِ المَنِيَّة وَمَخَالبها.
إذًا:
مُحَسِّنُ استعارةٍ تَدريهِ ..
أي: تعلمه، وذكر ثلاثة شروط.
بِرَعْيِ وَجْهِ الحُسْنِ للتّشبيهِ ..