(أوِ انْتِقاءُ اللَّفظِ) ، (انْتِقاءُ) أي: اختيار، وأمَّا (انْتِفاءُ) هذا لا وجه له، أكثر النُّسخ هكذا، لكن تأملته لا معنى له، (أوِ انْتِفاءُ اللَّفظِ) يعني: لفظ الكِنَايَة، (انْتِقاءُ اللَّفظِ) الكِنَايَة لماذا انتقيتها وقدمتها على التَّصريح؟ (لاسْتِهجانِ) أي: استهجان المكنِّي عنه، يقال: استهجن الأمر استقبحه.
(أوِ انْتِقاءُ اللَّفظِ) يعني: اختيار الفصحاء اللفظ، أي: لفظ الكِنَايَة لاستهجان المكنِّي عنه، نَحو: (( فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ) ) [البقرة:187] ونحو: فلانٌ لمس زوجته، أو أتاها كنايةً عن المجامعة، هذه الألفاظ الثلاث في الآية والمثالين كناية عنه، بدلًا من أن يُصرِّح بالجماع ونحو ذلك فيُكنِّي بهذا اللفظ، ولذلك قال: (لاسْتِهجانِ) يعني: المكنِّي عنه فلا يُصرِّح به، يعني: يستقبحه.
(ونَحْوِهِ) نحو الاستهجان من المعيب المرذول .. كل معيب، (كاللّمسِ) كنايةً عن الجماع، (والإتيانِ) كذلك مثالٌ آخر كنايةٌ عن الجِماع، حينئذٍ هذه الألفاظ كُنِّي بها عن المستقبح من أجل ألا يذكره على لسانه، وهذا لا شَكَّ أنه قريبٌ من قوله (أَوْ صَوْنٌ) لأنه صيانةٌ للسان عن ذكر القبيح ونحوه.
إذًا: هذه أغراضٌ للكناية، وهو التي يُستحسن الإتيان بها من أجلها.
ثُمَّ قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: في مَراتِب المَجاز والكُنَى)
لَمَّا فرغ النَّاظم من بيان مقاصد هذا العلم، الثلاثة الأنواع: التَّشبِيه والمَجاز والكِنَايَة، شرع في ذكر ما بين أقسامه من الرُّتب في البلاغة، فقال: (فَصْلٌ: في مَراتِب) جَمع مرتبة، المراد بها المنْزلة والمكانة، (في مَراتِب المَجاز والكُنَى) ، الكُنَى جمع كُنْيَة كـ: غُرْفَة .. غُرَف، كُنْيَة .. غُرْفَة .. فُعْلَة، جمع على: كُنَى.
ثُمَّ المجازُ والكُنَى أبْلَغُ مِنْ ... تَصْريحٍ اوْ حَقيقةٍ كَذا زُكِنْ
في الفَنِّ تَقديمُ اسْتِعارةٍ على ... تَشبيهٍ ايضًا باتفاقِ العُقلا
(ثُمَّ المجازُ) ، (ثُمَّ) للترتيب الذكري، يعني: بعدما ذكرنا لك الأقسام الثلاثة، المجازُ أي: المرْسَل، نحو: رعينا الغَيْث، ولأنه لم يذكر المجاز المركَّب إلا في الاستعارة التَّمثِيليَّة فهي داخلةٌ في قوله: (تَقديمُ اسْتِعارةٍ على تَشبيهٍ) فنُقيِّد المجاز هنا بـ: المرسل، (ثُمَّ المجازُ) أي: المرسل، لماذا وهو قد عَرَّف المركب؟ قلنا: عَرَّف المركب لأنه أراد أنَّه مرادف للاستعارة على كلامه السَّابق، مرادف للاستعارة التَّمثيليَّة، وإذا كان كذلك فالمجاز المركب هو استعارة، فهو داخلٌ بقوله: (تَقديمُ اسْتِعارةٍ على تَشبيهٍ) .
إذًا: (ثُمَّ المجازُ) أي: المرسل، نحو: رَعَيْنَا الغَيْث، أين المجاز؟ الغيث، وأراد به النَّبَات فأطلق السبب على المسبَّب، أطلق السبب الذي هو الغيث المطر على المسبب.
(والكُنَى) جَمع كُنْيَة، مُرادًا بها الكِنَايَة، (أبْلَغُ مِنْ تَصْريحٍ) .. (أبْلَغُ) أي: أوْكَد في الإثبات وأنسب لمقام بيان المعنى، وهل (أبْلَغُ) أفْعَل مأخوذٌ من المبالغة، أو مأخوذٌ من البلاغة؟ قولان: أصَحُّهما الأول، أنَّه مأخوذٌ من المبالغة وسيأتي كلام المرشدي في هذه المسألة.