فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 828

(أبْلَغُ مِنْ تَصْريحٍ) أي: أكثر مبالغةً من الصَّرِيح، كـ: أمْطَرَت السماء غَيثًا، أو مطرًا، حينئذٍ هذا تصريح، (غَيْثًا) هذا لم يُكنِ به عن شيء .. لم يَتجوَّز به عن شيء وإنما هو صَريح، أيهما أبلغ؟ رَعَيْنا الغيث، أو: أمطرت السماء غَيثًا؟ الأول أبلغ من الثاني.

(أبْلَغُ مِنْ تَصْريحٍ أوْ حَقيقةٍ) كـ: رَعَينا النَّبات (رَعينَا النبات) حقيقة أو مجاز؟ حقيقة، الرَّعي أُطلِق وأرِيد به معناه اللغوي، وكذلك النَّبات وكذلك الإسناد، فليس فيه مَجازٌ، وهذا باتفاق علماء البيان، لا خلاف بينهم في ذلك، لكن هنا التَّقابل: ثُمَّ المجازُ أبْلَغُ مِنْ تَصْريحٍ، والكُنَى أبْلَغُ مِنْ حَقيقةٍ، هكذا؟ العكس: ثُمَّ المجازُ أبْلَغُ مِنْ حَقيقةٍ، لأن الذي يُقابل المجاز هو الحقيقة، والكُنَى أبْلَغُ مِنْ تَصْريحٍ، حينئذٍ هذا فيه لَف ونَشْر غير مُرتَّب، فليس كلٌ منهما يقابل الآخر، يعني: المجاز أبلغ من تصريح أو حقيقة، والكُنَى أبلغ من تصريحٍ .. لا ليس هذا.

المجاز أبلغ من الحقيقة والكِنَايَة أبلغ من التَّصريح، لماذا؟ عندهم تعليلات إن فُهِمَت فبها ونعمت وإلا فلا، وهذا مَحل إجماع، لأن الانتقال فيهما - يعني: في المجاز وفي الكِنَايَة - الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللَّازم، ما هو الملزوم؟ المعنى الحقيقي الذي وضع له في لسان العرب، واللَّازم وهو المعنى الثاني.

لأن الانتقال فيهما - يعني: في المجاز وفي الكِنَايَة - من الملزوم إلى اللَّازم، فهو كدعوى الشيء ببينةٍ، بِمعنى: أنَّه ادعى الشيء وأقام عليه دليلًا، البَينة هي الدليل، حينئذٍ انتقاله من الملزوم إلى اللَّازم قد جعل الملزوم دليلًا على اللَّازم، لأنه هو الذي يلاحظ أولًا، الملزم ثُمَّ استدل به أو انتقل منه إلى اللَّازم، حينئذٍ أثبت اللَّازم واستدلَّ عليه بِما انتقل منه أولًا وهو الملزوم، فهو كدعوى الشيء ببينةٍ، إذ وجود الملزوم يقتضي وجود اللَّازم .. وجود المعنى الأصلي يقتضي وجود اللَّازم الذي هو المعنى المترتب عليه .. الخارج عنه، لامتناع انفكاك الملزوم عن لازمه، حينئذٍ صار الملزوم دليلًا على إثبات اللَّازم، وذلك لأن اللفظ مجازًا كان أو كنايةً إذا سُمع فأول ما يخطر منه معناه الأصلي وهذا هو الملزوم.

فإذا دلَّت القرينة على عدم إرادته انتقل الذهن منه إلى ملابسه وهو اللَّازم، حينئذٍ أين البينة هنا؟ في الملزوم، المعنى الأصلي الذي يتبادر إلى الذهن أول ما يَخطر في الذهن هو المعنى الأصلي وهو الملزوم فينتقل منه إلى اللَّازم فصار دليلًا على إثبات اللَّازم، كأنه يقول لك: أُثبت أن مدلول هذا اللفظ هو اللَّازم بدليل أنَّه أول ما ورد وخطر في الذهن هو الملزوم فهو دليلٌ على لازمه.

ووجود الملزوم وهو الملحوظ أولًا يقتضي وجود اللَّازم، أي: الذي هو المقصود، وحينئذٍ فأنْتَ حال الإتيان بالمجاز أو الكِنَايَة كأنك قد استدللت على وجود اللَّازم بوجود ملزومه - كما ذكرناه - فإذا قلت مثلًا: رَعَيْنا الغَيْث، فكأنك قلت: رعينا نباتًا وجد هذا النبات بوجود الغيث، هم يقولون: لوجود الغيث، وأنا لا أرى هذا، بوجود الغيث .. المسألة عقديَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت