فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 828

وإن كانا من نوعين: اسمٍ وفعل، اسمٍ وحرف، فعلٍ وحرفٍ، فالأول اسم وفعل وهذا هو المشهور، ولذلك لم يحك غيره من حيث المثال، نحو قوله تعالى: (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) ) [الأنعام:122] ميتًا فأحييناه، فإنه قد اعتبر في الإحياء معنى الحياة .. فَأَحْيَيْنَاهُ فيه معنى الحياة، والموت والحياة متقابلان .. يتقابلان، فقد دل على أحدهما باسمٍ وعلى الآخر بفعلٍ: (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا ) ) [الأنعام:122] هذا اسم، خبر كان منصوب .. مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ، إذًا حصل التقابل هنا بين نقيضين أو ضدين متنافيين بالاسم في مَيْتًا، وبالفعل في قوله: أَحْيَيْنَاهُ، هذا الذي يحفظ له مثال بين اسم وفعلٍ، وما عداه فهو متكلفٌ من حيث المثال، وإنما هو من قبيل القياس.

ولذلك قال التفتزاني:"والموجود من الأقسام الثلاثة هو الأول فقط"يعني: اسم وفعل، هذا المسموع من لسان العرب، وله مثالٌ في القرآن، ولا يمنع عدم وجود غيره مسموعًا في كلامهم عدم إيجاده لغيرهم، يعني: له أن يقيس بين حرفٍ واسمٍ، أو فعلٍ وحرفٍ.

فلا تقتصر في أمثال هذه المقامات على ما ورد، بل قس عليها نظائرها وزد، وليس لهم إلا أمثلة متكلفة وبعضها فيها شيءٌ من العنت، وما ذُكِرَ من التفصيل لا يفي إلا بالطباق بين لفظين، وأما الطباق بين أكثر فتزيد أقسامه باعتبار اجتماع الأنواع الثلاثة، وغير ذلك مما هو موكولٌ إلى فطانة المتتبع لها، يعني: التقابل بين لفظين.

قلنا: الجمع بين معنيين اثنين، لا يلزم أن يكونا اثنين، قد يكونا أكثر من ذلك، حينئذٍ بين اسمين .. بين فعلين .. بين حرفين، قد تكون بين ثلاثة أسماء .. بين أربعة أسماء، قل ما شئت، بين فعلين .. ثلاثة أفعال .. أربعة أفعال، وهذا يستنبطه الناظر بنفسه.

ثم إن اللفظين الذين وقع بينهما الطباق يكونان تارةً حقيقتين كبعض الأمثلة السابقة، وتارةً مجازين كقوله تعالى: (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) ) [الأنعام:122] مر معنا هذا، أي: ضالًا فهديناه، وتارةً يكونان مختلفين، يعني: أحدهما مجاز والآخر يكون حقيقةً، كقول الشاعر:

لا تعجبي يا اسمُ من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى

ضحك فبكى .. ضحك المشيب برأسه فبكى، ضحك المشيب: هذا معنى مجازي، فبكى حقيقةً، حينئذٍ قابل هنا بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي، فإن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الرجل حقيقة، فلا تقابل بين المعنى المجازي لضحك المشيب الذي هو كنايةٌ عن ظهوره وحقيقة البكاء، لكن التقابل بين حقيقة الضحك والبكاء ويسمى هذا، إيهام التضاد، إذًا: وقع التقابل هنا بين معنىً حقيقي ومعنىً مجازي.

والطباق قسمان: إما أن يكون موجبًا، وإما أن يكون منفيًا، حينئذٍ لما كان الكلام إما أن يكون مثبتًا، يعني: غير منفي، وقسم الطباق كذلك، طباق الإيجاب، أي: المثبت، وهو أن يكون اللفظان المتقابلان موجبين، وهذا أمثلته واضحة كما مر، وبينهما تناف بأحد الأوجه المذكورة آنفًا، والأمثلة السابقة كلها في الإيجاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت