إذًا: جمعٌ وتفريقٌ وتقسيمٌ ومَعْ ... كليهما، يعني: أن الجمع يقع مع التفريق تارة، ومع التقسيم تارةً أخرى، جمعٌ: الكلام في الجمع، وتفريقٌ وتقسيمٌ، إذًا: هذه ثلاثة، بقي ماذا؟ جمعٌ مع تفريقٍ .. جمعٌ مع تقسيمٍ .. جمعٌ مع التفريق والتقسيم، مَعْ كليهما، أي: الجمع مع التفريق والتقسيم، أن يجتمع الثلاثة، أوْ واحِدٍ يعني: من التفريق، أو التقسيم، حينئذٍ تكون القسمة سداسية، جمعٌ مفرد .. تفريقٌ مفرد .. تقسيمٌ مفرد .. جمعٌ غير مفرد، بل هو مقارن للتقسيم .. جمعٌ مقارن للتفريق .. جمعٌ مقارن للتفريق والتقسيم.
الجمع مع التفريق: وهو أن يدخل شيئان في معنىً واحد، ويفرق بين جهتي الإدخال، يعني: شيئان يُحكم عليهما بشيءٍ واحد، لكن هذا الشيء الذي هو حكمٌ له جهتان: جهةٌ يُحكم بها على شيء، وجهة على شيءٍ آخر، كقول القائل:
فوجهك كالنار في ضوءها وقلبي كالنار في حرها
انظر وجه وقلب شيئان، حكم عليهما بماذا؟ بالنار، وجهك كالنار .. قلبي كالنار، لكن الوجه كالنار في ماذا؟ في الضوء، وقلبي كالنار في ماذا؟ في الحر والاحتراق، حينئذٍ حكم على شيئين بشيءٍ واحد، لكن هذا الشيء له جهتان، من جهةٍ حكم به على شيء، والجهة الأخرى حكم بها على الثاني:
فوجهك كالنار في ضوءها وقلبي كالنار في حرها
أدخل قلبه ووجه الحبيب في كونهما كالنار، ثم فرق بينهما بأن جهة إدخال الوجه فيه يعني: في النار الإضاءة، والقلب هو الاحتراق، وقوله تعالى: (( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) ) [الإسراء:12] جمع ثم فرق، وقوله تعالى: (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ) [الزمر:42] فإنه جمع الأنفس في حكم التوفي، الأنفس كلها، ثم فرق بين جهتي التوفي، بالحكم الإمساك والإرسال، أي: الله يتوفى التي تقبض والتي لم تقبض، فيمسك الأولى ويرسل الأخرى، فالحكم واحدٌ وهو التوفي، والتوفي قد يطلق ويراد به النوم، وقد يُراد به مفارقة الروح للجسد.
ووجه كون الجمع مع التفريق من المحسنات هو جمع الجمع مع التفريق، وهما متضادان، ولا خفاء في أن الشيء مضمومًا إلى غيره، غيره منفردًا عنه، وهذه قاعدة مطردة عند أرباب الصناعات.
الجمع مع التقسيم: وهو جمع متعددٍ تحت حكمٍ ثم تقسيمه، أو تقسيمه ثم جمعه، يجمع ثم يحكم عليه، أو يقسَّم ثم يحكم عليه، أو تقسيمه ثم جمعه، فالأول الذي هو الجمع ثم التقسيم كقول الشاعر:
حتى أقام على أربَاضِ خَرْشَنَةٍ تشقى به الروم والصلبان والبيع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
انظر أولًا جمع، قال: تشقى به الروم، تشقى به يعني: بالممدوح، فدخل فيه كل شقاء، ثم فَصَّل، قال: للسبي ما نكحوا: هذا شقاء، والقتل ما ولدوا: هذا شقاء، والنهب ما جمعوا: وهذا شقاء، والنار ما زرعوا، جمع في البيت الأول شقاء الروم بالممدوح على سبيل الإجمال -تشقى به الروم-، حيث قال: تشقى به الروم، ثم قسم في الثاني وفَصَّل، إذًا: جمع ثم فصل، والثاني الذي هو التقسيم، ثم الجمع .. يقسم أولًا ثم يجمع، كقول حسان: