كيف توصلنا إلى المعنى الثاني الذي أطلقت الكلمة ابتداءً ولم يُرد؟ نقول: لأن المعنى الأول الذي أريد بهذا اللفظ قد خدم الثاني، يعني: كان موطئًا ومقدمةً للمعنى الثاني، ولذلك صح عود الضمير عليه، كذا قاله السبكي، وفيه أنهم جعلوا الفرق بينه وبين التورية .. إذًا: ما الفرق بين الاستخدام و؟؟؟ كلٌ منهما لفظٌ مشترك، وكلٌ منهما يطلق ويراد به أحد المعنيين، إذًا ما الفرق؟ وهذا في الجملة، والفرق بين الاستخدام وبين التورية أن التورية يُراد بها أحد المعنيين في الظاهر، مع لمح الآخر في الباطن، والاستخدام يُراد به كلاهما، إذًا: أنت أطلقت في التورية اللفظ المشترك أردت به المعنى الظاهر، وأما المعنى الآخر فهو غير مراد أصلًا، لم يقصده المتكلم بكلامه، وإن لاحظه المخاطب.
وأما الاستخدام فالمعنيان كلاهما مرادان في هذا التركيب، ففرق بينهما، والاستخدام يراد به كلاهما، اللهم إلا أن يكونا .. أو تكون الإرادة في الاستخدام وإن تعلقت بكليهما ليست على حدٍ سواء، هكذا عبر المرشدي في شرحه.
وعرفه السكاكي بقوله:"إطلاق لفظٍ مشترك بين معنيين مرادٌ به أحدهما، ثُم يُعاد عليه ضميرٌ مرادٌ به المعنى الآخر"إطلاق لفظٍ مشترك يُراد به في أول الأمر أحد معنييه، ثُم يُعاد عليه ضمر ويراد به المعنى الآخر الذي لم يطلق ابتداءً عليه، هذا يسمى: استخدامًا، أو -النوع الثان-: يُعاد عليه ضميران مرادٌ بكل واحدٍ منهما واحد، يعني: يطلق اللفظ ويعود عليه ضميرٌ واحد، أطلق ابتداءً لمعنىً وأعيد عليه الضمير للمعنى الآخر، هذه صورة.
الصورة الثانية: يطلق اللفظ لكلا المعنيين ويُعاد عليه في التركيب ضميران، أحد الضميرين يعود إلى معنىً، والضمير الآخر يعود إلى معنىً لم يعد الضمير الأول عليه، هذه صورة ثانية للاستخدام.
وحقيقته أنه قسمان: الأول - على ما ذكرناه: أن يطلق لفظٌ مشترك بين معنيين أو معانٍ سواءٌ كانت كلها حقيقية أو مجازية، أو مختلفة، ويُراد بهذا اللفظ المشترك بعض معناه، يعني: أحد المعاني، ثم يُعاد عليه ضميرٌ راجعٌ لهذا اللفظ المشترك، ونريد به المعنى الآخر، أي: الباقي، إن كان اللفظ ذا معنيين والضمير واحدًا، والمعاني البواقي إن كان اللفظ ذا معانٍ والضمير أكثر من واحدٍ، هذه صورة.
كقول الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قومٍ رعيناه وإن كانوا غضابا
غضابا: جمع غضبان، فالسماء هنا .. إذا نزل .. السماء: أراد به المطر، رعيناه: الزرع، إذًا: اللفظ نفسه أطلقه في أول الكلام لمعنىً، ثم أعاد الضمير عليه بمعنىً آخر، وهذا جائزٌ .. بل هو من المحسنات البديعية، إذا نزل السماء، يعني: المطر، بأرض قومٍ رعيناه، أي: رعينا النبات، لماذا؟ لأن المطر سببٌ في إيجاد النبات، حينئذٍ يطلق السماء ويراد به النبات، والمعنى الذي أطلقه ابتداءً أراد به المطر، حينئذٍ أعاد الضمير إلى بعض المعنيين، فالسماء يُراد به المطر، وهو المراد أولًا من إطلاق هذا اللفظ، إذا نزل السماء، أي: المطر، والنبات وهو المراد بضميره، لقوله: رعيناه، يعني: الذي يُرعى هو النبات.